الوطن الحقيقي لا يحبس الرأي المخالف في زنزانة أطلقوا سرح السجناء السياسيين واصلحوا المنظومة السجنية
- حمة الهمامي
- 14:30 31/07/2026
- 711 عدد المشاهدات
الحرية الآن وهنا لكافّة معتقلات/معتقليّ الرّأي...مكانكنّ/كم
خارج أسوار السجن وليس
داخلها...في هذا الحرّ الحارق، الخانق أتذكّركم وأتذكّر كافّة سكّان السجن وأنا أتابع الأخبار المتداولة حول الوفايات والتدهور الصحّي للعديد من السجناء ...وأسأل نفسي إذا كنّا خارج السجن نغفّق ونحن في منازلنا، أحرار في حركتنا، فكيف حالكم أنتم وجميعكم محاصر غالبية ساعات الليل والنهار بين جدران زنزانات ضيّقة، مقفلة، مكتظّة، يتسلّل منها الحرّ كسكّين والعرق لا يجفّ، زنزانات صُمّمت أصلا للحفاظ على الأمن لا للحفاظ على الحياة والكرامة.
أكيد أنّكم تَشْقَوْنَ، حالكم حال بقيّة السجناء والسجينات، من فرط حرّ هذا العام.“الحبس وزيد عليه السخانة”... إنّه محرقة من نوع خاص، تدمّر الجسم وتحول الأعصاب إلى أسلاك مشتعلة، وتُهيّج الآلام الكامنة وتفاقم المرض…يا صيف السجن يا لهيب...بِتْسيّح العضم فينا كمال قال شاعر الغلابة الراحل أحمد فؤاد نجم...السجن في الصيف، لمن لا يعرفه، ليس أربعة جدران فقط بل هو أن تشعر أن الهواء ثقيل يأبى أن يدخل الرئة، فيكون الاختناق ويكون الشعور بأنّك منفيّ عن جسدك حسب عبارة لدرويش.
لكنْ من يُضحّي بحريته وشغله وعائلته وحياته من أجل فكرة أو موقف أو حقّ لن تقدر سجون الدنيا، وإن اشتعلت فيها النيران، على هزمه.
(2)
التونسيّون/التونسيّات،إذا استثنينا عائلات السجناء/السجينات والفئات الواعية من الشعب، لا يعرفون الكثير عن الحياة في سجون بلادهم لأنّ الحديث عنها ظلّ محرّما بل جريمة طوال فترات حكم بورقيبة وبن علي...وهو اليوم محرّم من جديد منذ أن وجد بعض المحامين أنفسهم أمام المحاكم بسبب كلمة قالوها عن ظروف الاعتقال...فالمرسوم 54 والفصل 86 من مجلّة الاتصالات عصا مسلّطة من فوق… تنتظر على رأس من ستهوي...هذا حال البلدان التي تعيش في أنظمة تحاول تكميم الأفواه حتّى لا تُعرّى الانتهاكات…وتقبر الحقائق إلى ذلك توجد مشكلة أخرى ذات طابع حضاريّ...فالغالبيّة في مجتمعنا مازالت تنظر إلى السجن كفضاء للعقاب...وهو ما نسمعه من خلال العديد من التعاليق من قبيل: “مالا تحبّو يحطّوهم في أوتيل 5 نجوم...ما هو حبس...يحبّو زادة الماء السخون والفريجيدير ووو.نحن لبرة ما لقيناهمش...يلزمهم يخَلْصو...وشويّة فيهم...يستاهلو...ويخلّي عاد جماعة التآمر ماهم جابوها لأرواحهم...وهوما عملو شويّة قبل. وبالطبع مثل هذا التفكير نابع من تخلّفنا وتخلّف أنظمتنا السياسيّة التي لم تقطع مع معاملة مواطنيها كرعايا، وهو ما حال دون تحول الفكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى جزء من ثقافتنا وهويتنا...”حقوق الإنسان متاع الغرب...محسوب هوما احترموها في فلسطين. كأنّي بالناس في بلدي يؤكّدون بهذا الكلام الفكرة الاستعمارية الجوهرانيّة
التي تعتبر أنّ شعوبنا جُبلت على العبودية ولا تلائمها الحرية والديمقراطية وبالتالي فهي لا تُحكم إلّا بالنار وإن لزم الأمر فهي ليست جديرة بالحياة أصلا، بينما المجتمعات الغربية خُلقت لكي تكون حرّة بل لتسود. إنّ الحريات والحقوق لها ضحاياها وشهداؤها في كل الحضارات بما فيها الحضارة العربيّة والإسلاميّة...وما تحقّقه حضارة في هذا المجال هو ملك للإنسانيّة جمعاء. وإذا كان ثمّة دول استعمارية استعملت شعارات الرسالة الحضارية أو احترام حقوق الإنسان غطاء لجرائمها ضد الإنسانيّة بما في ذلك في فلسطين فإنّ ذلك لا يعني أن الحرية أو الديمقراطيّة أو حقوق الإنسان حاجة فَالْصُو ليست ضرورية لحياة الطبقات والفئات الكادحة والشعبية التونسيّة وتطوّرها بل إن الفالصو هو الاستبداد الذي يهدر الكرامة الإنسانية ويؤبّد التخلّف ولا يخدم في النهاية سوى مصالح الأقليات الاستغلالية المحلية والأجنبية التي تحتاج إلى الاستبداد كي تهيمن.
يُضاف إلى ذلك بالطبع مستوى العيش المنهار لفئات واسعة من مجتمعنا، يضربها الفقر والبؤس ولا تتمكّن من الحصول على أبسط ضروريات العيش ولذك فإنّها عوض أن تلتفت إلى الجهة المسؤولة عن وضعها المتردّي وتناضل من أجل تغيير ظروفها جذريّا وتتحرّر من الاستغلال والبؤس والقمع، نراها تحكم على وضعية السجين من زاوية وضعيتها هي معتبرة أن ليس له الحقّ فيما لا تتمتّع هي به متناسية أنّ السجين ليس حرّا في حركته وليست له القدرة على تدبّر أموره بنفسه وأن مسؤولية إطعامه وإقامته وعلاجه وتوفير أسباب الراحة له تعود بالكامل إلى من يحبسه أي إلى الدولة. وهذا الأمر لا تدرك معناه إلّا العائلات التي يتعرض أحد أفرادها للاعتقال فتعيش الأمرين لإسناده بالمال والطعام عدا عذاب التنقل والانتظار في العراء أمام السجن في حر الصيف أو في برد الشتاء على حدّ سواء
(3)
في بلادنا يمثّل السجن، خلافا لما ورد في القانون، القاعدةَ، والحرية الاستثناءَ، فالقاضي يصدر بطاقات الإيداع حتى قبل البحث أحيانا ناهيك أنّ عدد الموقوفين في السجون التونسيّة يناهز الـ40ة بالمائة من بين المساجين والمحاكم تستسهل الحكم بالسجن لأتفه الأسباب ناهيك أن حوالي 60 بالمائة من السجناء التونسيين لا تزيد أحكامهم عن العام سجنا أي أن جرائمهم ليست خطيرة.
لذلك ظلّت الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في بلادنا، قبل الثورة وبعدها تقيم سجونا جديدة ناهيك أنّ وزيرة العدل الحالية أعلنت خلال مناقشة ميزانية الوزارة لسنة 2026 الشروع في بناء سجون ووحدات سجنية جديدة وبتخصيص ميزانية تقدر بـ17.756 مليون دينار لعمليات التوسِعة والتهيئة داخل السجون الأخرى للتخفيف من الاكتظاظ...فقد ازداد عدد السجناء في بلادنا بحوالي 10 آلاف شخص منذ عام الانقلاب أي 2021، حسب الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، ليصل عدد السجناء سنة 2025 إلى حوالي 33 ألف (منهم 41 بالمائة تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة) أي بزيادة تقدر بحوالي 50 بالمائة، في سجون لا تزيد طاقة استيعابها عن17 ألف وبالتالي فإن نسبة الاكتظاظ تفوق 188 بالمائة الأمر الذي يحوّل السجن إلى جحيم، إلى فضاء للعذاب .
نعم التخفيف من الاكتظاظ لا بتسريح معتقلي الرأي والكفّ عن محاكمة الناس بسبب أفكارهم ونشاطهم السياسي أو لتصفية حساب معهم وإقصائهم من الحياة السياسية، ولا بمعالجة القضايا الاقتصاديّة/الاجتماعية التي تقف وراء استفحال الجريمة (البطالة، الفقر، المخدرات...) ولا بتسريح المساجين من أصحاب القضايا الخفيفة واستبدال سجنهم بعقوبات بديلة (خطايا ماليّة، عمل اجتماعي…) كما يجري به العمل في معظم بلدان العالم واسغلال الحدّ من الاكتظاظ لتحسين ظروف الإقامة في السجون وإنّما بصرف مليارات عن بناء سجون جديدة وتوسيع السجون القديمة وإعادة تهيئتها لتسع للسجناء الموجودين فيها ولاستقبال الوافدين الجدد عليها، مليارات كان من الممكن أن تصرف في مشاريع تنمويّة تخفّف من ظاهرة البطالة وتُسهم في الحد من أسباب الجريمة. وعلينا أن نتخيّل كل ما ينتج عن الاكتظاظ وعن حصر السجناء في غرفهم أكثر من عشرين ساعة في اليوم وعن غياب الشروط الصحية الدنيا، وعن عدم تصنيفهم حسب الأعمار وخطورة الجرائم، من مشاكل ومصائب...كلّ هذا يجعل الحياة في السجون التونسيّة عذابا في عذاب من الناحيتين المادية والمعنويّة…والأخطر من كلّ ذلك أن السجن يتحول في مثل هذا الوضع من وسيلة للتنقيص من عدد الجرائم إلى وسيلة للرفع فيها فالإحصائيات المتداولة في التقارير الرسميّة والحقوقيّة، تشير إلى أنّ نسبة العود في تونس تتراوح بين 36 و45 بالمائة.
بعبارة أخرى من يدخل السجن برتبة «هاوٍ» يغادره بشهادة «باندي » فضل التكوين الذي تلقّاه من الكرّاكجيّة ويعود إليه لاحقا برتبة باندي en chef » بـفضل ما سيكتسبه من خبرة في « الميدان ».
(4)
ما من شكّ في أن الظروف تحرّكت، بفضل نضالات المساجين أنفسهم ونضالات المنظمات الحقوقية والقوى الديمقراطيّة، عمّا كانت عليه قبل 50 أو 60 سنة، ربّما يتوفّر لي الوقت لأروي عذابات سجن بورقيبة وبن علي، ولكنّ الإصلاحات الجزئية التي تحققت ظلّت تدور في فلك نفس المفهوم السجن مكان للعقاب وليس للإصلاح وإعادة الإدماج في المجتمع”… وهو ما يرجعنا إلى نقطة الانطلاق فالسجون ليست معزولة عن طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي القائم بل هي مرآة المجتمع تعكس درجة تطوره السياسي والاجتماعي والثقافي، بل درجة تمدّنه. وفي هذا السياق لا يمكن بأي شكل من الأشكال مقارنة الحياة في السجون عندنا بالحياة في سجون البلدان الأكثر تمدّنا وتحضّرا في التعامل مع معتقليها وأقصد هنا خاصة بلدان أوروبا الشمالية... فهذه المجتمعات تخطّت، بما حقّقته من مكاسب في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، مفهوم السجن العقاب/التشفّي/التدمير واستبدلته بمفهوم السجن للإصلاح وإعادة الإدماج.
إن السجن في تلك البلدان استثناء والحرية قاعدة. إنّ القضاء عندهم يبذل أقصى الجهد لاجتناب الزج بالناس في السجن. وهو ما يفسّر تراجعَ عدد المعتقلين فيها وتَوَجُّهَ تلك البلدان إلى غلق السجون لا إلى إحداث أخرى جديدة...أمّا من يُسجن فيُعامل كشخص مسلّطة عليه عقوبة واحدة وهي سلب الحرية وبالتالي فإن حقوقه الإنسانيّة الأخرى لا تُمسّ فيتمتّع بظروف اعتقال تضمن كرامته: إقامة محترمة، الحقّ في الدراسة وفي تلقّي الكتب وممارسة الرياضة والنشاط الثقافي والعمل بمقابل والتصويت في الانتخابات وحتى الالتقاء بالزوجة/ أو الزوج دوريّا حماية للروابط الأسريّة وتخفيفا من حدّة الأمراض النفسيّة...وبعبارة أخرى تسعى الدولة إلى توفير كافة الظروف التي تسمح للسجين بأن يندمج مجدّدا في المجتمع يوم سراحه دون أن يواجه صعوبات كبيرة.
إنّ ارتقاء عديد بلدان العالم إلى درجة متقدمة في معاملة سجنائها لم يكن من باب الصدفة...فهي بلدان لا يزجّ ببناتها وأبنائها في السجن بسبب تدوينة أو رأي أو موقف وهي أيضا بلدان لا يمثّل فيها الحكّام ذواتا مقدّسة لا تخضع للنقد والمحاسبة، وحتى في صورة حصول تجاوزات فللضحيّة إمكانيات جدية للتظلّم بالإضافة إلى وجود إعلام يراقب ورأي عام يردع...ولا يُتساهل في تلك البلدان في توزيع الأحكام السجنيّة فحرمان شخص من حريته يوما واحدا فقط دون موجب يمثّل في تقاليدهم التي اكتسبوها بنضالهم جريمة لا تغتفر يحقّ للضحية مطالبة الدولة بتعويضات...وهو ما يدفع قضاءهم، المستقل عن السلطة التنفيذية وإن كان كلاهما جزءا من نظام عام واحد، إلى التحري والتثبّت واحترام كافة شروط المحاكمة العادلة وفقا للقوانين والإجراءات المعمول بها ناهيك أن عقوبة بـ17 أو 18 سنة سجنا تعتبر في تلك البلدان عقوبة قاسية لأن العقوبة القصوى محدودة (21 سنة في النرويج وتصل إلى 30 سنة بالنسبة إلى الجرائم المتعلقة بالإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب) ولا توجد في منظومتهم العقابيّة لا عقوبة الإعدام ولا عقوبة المؤبّد.
(5)
نحن نطالب اليوم بإطلاق سراح كافة معتقليّ الرأي وفي الأثناء توفير الرعاية الصحية الضرورية لهم كما نطالب بالتخفيف من الاكتظاظ عبر التقيّد بمبدأ الحرية هي القاعدة والسجن هو الاستثناء وبالتالي مراجعة قرارات الإيقاف التحفظي الخاصة بالجنح والمخالفات وتسريح غالبية المحكومين بأحكام أقل من عام سجنا وتعويض محكوميتهم بعقوبات بديلة وفي نفس الوقت التوجّه نحو إيجاد حلول لإعادة إدماج عدد هام من السجناء المتبقّين ممّن لا يمثّلون خطورة كبيرة في دورة الإنتاج حتى لا نترك الفقراء يدفعون الفاتورة مرّتين: الأولى حين يُهمّش أبناء الأحياء الشعبيّة والثانية حين يتحمل دافعو الضرائب كلفة منظومة عقابية لا تنتج سوى مزيد من الإقصاء. فإذا كان في بلادنا آلاف السجناء القادرين على العمل فلماذا لا تطلق الدولة برنامجا للعمل الاختياري في الأراضي الدوليّة والمشاريع الفلاحيّة والبيئيّة؟ ليس عملا قسريّا بل عملا بأجر محترم وتكوين مهنيّ وحماية قانونيّة ويودع الجزء الأكبر من الأجر في حساب خاص يسلّم للسجين عند الإفراج عنه ليبدأ حياة جديدة بدل أن يخرج من السجن بلا مال ولا مهنة ولا أمل. العقوبة هي سلب الحرية لا سلب كرامة البشر أمّا ترك الإنسان سنوات خلف الجدران بلا إنتاج ولا تأهيل بل في قطيعة تامة عن الحياة الاجتماعيّة وعن العائلة والزوج والأبناء ثم مطالبته بأن يصبح مواطنا صالحا فهو عين النفاق السياسي والفشل الاجتماعي.. وفي كلّ الحالات فإنّنا مطالبون من الآن، ونحن نناضل ضدّ الاستبداد من أجل بديل ديمقراطي وشعبي، بأن تكون لنا التصورات التي تُعِدُّ مجتمعنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا للنهوض بصورة فعلية وهو ما من شأنه أن يوفّر أسس الحياة الكريمة للفرد ويرفع من وعيه ويبعده عن الجريمة فالإنسان لا يولد مجرما وإنما يصبح كذلك بتأثير من النظام الاجتماعيّ الذي يعيش فيه. كما أنّ من شأنه أن يساعد على خلق نظرة جديدة للسجن باعتباره فضاء للإصلاح وإعادة التأهيل عبر خلق فضاءات سجنيّة وأنماط عيش وتعامل داخلها تكون أقرب ما يمكن للحياة الطبيعيّة خارج السجن حتى تسهل إعادة إدماج السجين ولا تحصل له قطيعة تامة مع الحياة الاجتماعية من شأنها أن تعمّق الهوّة بينه وبين المجتمع فيضيع توازنه بالكامل يوم سراحه.
وبالطبع فإن دور حراس السجن في مثل هذه المنظومة سيتغيّر من دور الحراسة والرقابة والعقاب إلى دور المربّي والمدرّب والمرافق النفسيّ والاجتماعيّ. كل هذا من شأنه أن يدفع مجتمعنا إلى القطع مع مفهوم السجن فضاءً للعقاب والانتقام وتفريخ أجيال جديدة من المنحرفين والمجرمين ويخلق الظروف التي تمكّن من النزول بعدد السجناء إلى الحدّ الأدنى الممكن والتخلّص تدريجيّا من غالبيّة السجون القائمة (30 سجن حاليّا موزّعة على 21 ولاية) لتُبني مكانها مدارس وجامعات ومراكز ذكاء اصطناعيّ وفضاءات للترفيه.
قرأت في المدّة الأخيرة تحقيقا عن سجن نموذجيّ في النرويج التي لديها أدنى معدّل من السجون في العالم بعنوان: “باستوي النرويجي سجن أم منتجع؟ ومما جاء في كلام مدير هذا السجن الموجود في جزيرة تحمل نفس الاسم، ردّا على سؤال الصحفي: “السجن يقوم على فلسفة أنّ الإنسان لا يولد مجرما ولذا فالسجناء يعيشون في حياة طبيعية يتمتّعون بكافة الخدمات والإمكانيات، يدرسون ويتعلّمون في غرف مجهّزة بأحدث وسائل التعليم ويقول الصحفي إن هذا السجن هو عبارة عن منطقة مفتوحة بدون حدود وسياج يتألّف من مجموعة من البيوت الفارهة والغابات والأراضي الزراعية التي تُربّى بها المواشي، إضافة إلى ورش عمل مهنية للتطوير والتدريب...ويختار نزلاء السجن ما يناسبهم من تلك الأنشطة لامتهانها وإتقانها. ويعيش كل ثلاثة أو خمسة نزلاء في بيت مستقل عن البيوت الأخرى لكل واحد منهم غرفة مستقلة ويشتركون في المطبخ وغرفة المعيشة. وحول سؤال بشأن ما إذا كانت هناك حالات للهرب من السجن ضحكت مسؤولة الأمن في السجن قائلة إلى أين سيذهبون؟ لن يجدوا خيرا من ذلك المكان لقضاء فترة محكوميتهم…”(المصدر: الجزيرة نت، سمير شطارة، أوسلو، 20 جوان2006 ).
حين يكون للنرويج سجن نموذجي كهذا السجن وسجون أخرى شبه مفتوحة وتصميمها شبيه بالبناءات العادية، نفهم لماذا لديه أدنى معدل من السجون في العالم ولماذا لا تتجاوز نسبة السجناء فيه 63 سجينا على كل 100 ألف ساكن (مقابل 267 لكل 100 ألف ساكن في تونس)، علاوة على الانخفاض الحاد في معدّلات العودة إلى الإجرام التي كانت في أوائل ثمانينات القرن الماضي ما بين 60 و70بالمائة حسب آخر التقارير الدولية، مع العلم أنّ النرويج تخلّت نهائيّا عن نهج الحبس العقابي قبل عشرين سنة فقط وقد سبقة هذه الخطوة خطوات أخرى منذ سبعينات وخاصة تسعينات القرن الماضي حين عبّر الشعب النرويجي عن عدم رضاه على الظروف المعيشية السيئة للسجناء الذين كانوا يخضعون لنظام العدالة العقابية وقرر السير نحو نظام العدالة التصالحية “.
الخلاصة:
الشعوب حين تريد تغيير واقعها فهي قادرة على ذلك