للحديث بقية بين المخاطر الوجودية والجدل الداخلي المحتدم أبعاد التفاوض المباشر بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي

تستضيف واشنطن محادثات " مباشرة،"

هي الأولى من نوعها منذ عام 1993، بين ممثلين عن لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي التي قال وزير خارجيتها إنها ترغب في أن تفضي "للسلام والتطبيع" بين البلدين، رغم رفض حزب الله وقطاعات واسعة في لبنان لهذا التوجه. اذ تجمع الطاولة المستديرة بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي في واشنطن. لكن هذه المرة، ليست مجرد مفاوضات تقنية على ترسيم الحدود البحرية، بل هي محادثات "مباشرة" تفوح منها رائحة "التطبيع" في ظل غياب "حزب الله" الذي لطالما شكل معادلة الردع العسكرية. هذا التوجه يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مصيري: هل تفاوض من موقع قوة أم أنها تساق إلى "هاوية" دبلوماسية برعاية دولية؟
داخل لبنان، لا يمر هذا الحدث مرور الكرام. فالشارع اللبناني، المنهك بالحروب والانهيار الاقتصادي، منقسم بشكل حاد، فالمؤيدون لهذا التوجه يرون في هذه الخطوة مخرجا من "حرب الاستنزاف" وطريقا لفك الحصار الاقتصادي وإعادة الإعمار. ويراهنون على أن "الدولة" يجب أن تستعيد قرار الحرب والسلم، وأن المواجهة العسكرية المباشرة مع آلة الحرب الإسرائيلية والأمريكية لم تعد خيارا متاحا في ظل التفاوت الهائل في القوة.
أما المعارضون، فيصفون الجلوس المباشر مع العدو بأنه "خيانة لدماء الشهداء" واستسلام للمشروع الصهيوني. يرى هؤلاء أن تجاوز "حزب الله" في هذه المفاوضات هو محاولة لكسر ظهر المقاومة وتجريد لبنان من ورقة قوته الوحيدة، مما يجعله لقمة سائغة للأطماع الإسرائيلية.
وفي خضم ذلك يبرز السؤال المصيري ، بأي أوراق يفاوض لبنان؟
واقعيا، يذهب لبنان إلى واشنطن وهو مثقل بمليون نازح، واقتصاد محطم، وضغط عسكري إسرائيلي لا يتوقف. في المقابل، يمتلك الاحتلال غطاء أمريكيا كاملا (بقيادة ترامب وروبيو) وتفوقا تكنولوجيا وعسكريا. لذا، فإن التفاوض من دون "سلاح المقاومة" كظهير للمفاوض اللبناني يجعل الموقف اللبناني أقرب إلى "الاستجداء" منه إلى "التفاوض الندي". فالعدو لا يفهم إلا لغة القوة، والتاريخ يثبت أن "إسرائيل" لا تمنح الهدنة او التهدئة إلا إذا كان ثمن الحرب باهظا عليها.
ولعل الخطورة الكبرى تكمن في العقيدة الصهيونية نفسها التي تقوم على فكرة الاستيطان والتوسع المتواصل من النيل الى الفرات . فمشروع "إسرائيل الكبرى" ليس مجرد شعار، بل هو استراتيجية توسعية تتغذى على قضم الأراضي والسيطرة على الموارد المائية مثل نهر الليطاني في جنوب لبنان.
فهل سيوقف التفاوض المباشر مع العدو الصهيوني جوع الاحتلال؟ الأكيد ان التاريخ يقول ان كل الاتفاقيات من اتفاقية "أوسلو" إلى "وادي عربة"، كانت بالنسبة للاحتلال مجرد "هدنة تكتيكية" لتحقيق مكاسب على الأرض. فالجلوس المباشر قد يعطي "إسرائيل" شرعية للتوسع تحت ذريعة "المناطق الأمنية" أو "المنطقة العازلة"، وهو ما يعني عمليا احتلالا مغلفا بالدبلوماسية.
هذا التوجه قد يؤدي إلى مسارات كارثية إذا لم يتم الحذر من الشرخ الداخلي الذي يتسع في لبنان . اذ قد تتحول المعارضة السياسية للتفاوض إلى صدام ميداني بين الجيش اللبناني وقوى المقاومة، وهو ما تصبو إليه واشنطن وتل أبيب أي نزع سلاح الحزب بأيد لبنانية.
كما أن التفاوض تحت النار وبشروط نتنياهو أي تفكيك السلاح يعني تجريد لبنان من "الدرع الحامي "مما يجعل جنوبه ساحة مستباحة للمستوطنات الصهيونية. وقد يكون الثمن هو "السلام مقابل الاقتصاد"، أي ربط معيشة اللبنانيين برضا الاحتلال، مما يلغي أي إمكانية للسيادة الحقيقية وتحرير الشريط الحدودي الذي احتله "إسرائيل" خلال الحرب الأخيرة.
ان التفاوض المباشر في ظل الضعف الحالي ليس سوى قفزة في المجهول. خاصة ان طائرات العدو لا تزال تحصد الأرواح في بنت جبيل وغيرها من المناطق اللبنانية المستباحة .
ان هذا التفاوض اليوم لن يكون طريقا للسلام الموهوم مع العدو المجرم ، بقدر ما هو فصل جديد من فصول "القرصنة" الدولية، حيث يُراد للبنان أن يوقع على صك تنازله عن أرضه وأمنه بيده، تحت وطأة الجوع والقصف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115