لباحث اجتماعي مذهول شعوره أثناء مشاركته في مذبحة التوتسي في رواندا سنة 1994. يورد هذا الاعتراف في كتاب "صناعة الوحوش" للفيلسوف والكاتب ديفيد ليفينغستون سميث (David Livingstone Smith)، الذي يكشف حقيقة مقلقة: إن قدرة البشر على إنكار إنسانية الآخرين لا تبدأ بالعنف المادي، بل بخطوة إدراكية صامتة،فمن خلال نظرة او كلمة او خطاب متكرر، نعيد ، نحن، تشكيل صورة الآخر في وعينا وفي وعي المجتمع.
يرى الكاتب ان المذبحة الوحشية التي وقعت في رواندا لم تكن مجرّد استثناء تاريخيا ، بل هي تحيل الى قابلية كامنة في البنية النفسية والاجتماعية للإنسان، بصفة عامة،اذ هي تنشط عندما يلتقي الخوف بالسلطة، وعندما يُستخدم الخطاب السياسي أو الإعلامي أو الثقافي او الديني لإخراج فئة أو مجموعة ما من الدائرة الأخلاقية. والأمر لا يتعلق بمجرد تحقير لفظي او بمزاج غاضب، بل هو تحول عميق في ادراكنا يجعل الحوار او التعاطف مع الاخر المختلف امرا مستحيلا، ويمهّد للإقصاء والعنف ، ومع الوقت، لا تبقى عملية الاقصاء حبيسة المخيلة، بل تتحول إلى سلوك اجتماعي وسياسي منظم، حيث يصبح المختلف عدوا حقيقيا ، لا رمزيا فحسب، أي يصوّر على انه تهديد ملموس للهوية والمصالح الجماعية، وحتى لمصلحة الوطن.
ثنائية "نحن" و"هم": البذرة الأولى للكراهية
من أهم آليات نزع الإنسانية ترسيخ الثنائية القاطعة بين "نحن" و"هم" في المجتمع. فهذا التقسيم الحادّ لا يكتفي بفصل الآخر عن دائرة الانتماء، بل ينزع عنه كل الصفات الإنسانية ويقدمه ككائن مهتزّ أو حتى خطير على المجموعة الوطنية.
في تونس، يظهر هذا التصنيف بوضوح في بعض الخطابات الشعبوية: "نحن" الحماة الصادقون للقيم الوطنية، و"هم" المتآمرون أو الفاسدون و المشكوك في ولائهم، سواء كانوا معارضين سياسيين، أو جماعات "ثقافية غير مقبولة،" ومع تكرار هذه الثنائية في الخطاب السياسي ولإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي ، تتحول تدريجيا إلى قناعة جماعيةتبرّر الإقصاء وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى عداوة وجودية.
خطورة هذا المنطق لا تكمن فقط في تبسيطه للواقع، بل في أنه يحوّل الخلاف السياسي أو الثقافي إلى تصنيف أخلاقي صارم: طرف يُقدَّم كصاحب الشرعية والفضيلة والنقاوة، وطرف آخر يُصوَّر كعنصر مشبوه أو مهدِّد للمجتمع. وعندما يُرسَّخ هذا التصنيف في الوعي العام، يصبح من السهل تبرير إقصاء المختلف أو انتهاك حقوقه، لأن المشكلة لم تعد مجرد اختلاف في الرأي، بل اصبحت صراعا بين نقيضين: "النقاوة" و"الفساد" و“حماة الوطن” و"أعدائه".
ومع الوقت، يترتب على ذلك أثر أخطر: تآكل فكرة المواطنة نفسها. فبدل أن يكون الانتماء إلى الوطن قائما على الحقوق المتساوية، يصبح مشروطا بالولاء السياسي او الديني او الثقافي... عندها يتحول المجال العام إلى ساحة استقطاب دائم، حيث يُنظر إلى كل اختلاف كتهديد، لا كجزء طبيعي من الحرية. وفي مثل هذا المناخ، لا تتضرر فئة بعينها فقط، بل يضعف بناء المجتمع كله، لأن الثقة بين المواطنين تضمحلّ تماما، وتصبح القدرة على التعايش والتعاون مستحيلة.
الشعبوية والكراهية: حين يتحول الخوف إلى أداة سلطة
الشعبوية لا تكتفي بتأجيج الاستياء الاجتماعي، بل تعمل على تحويل الاختلاف إلى تهديد مباشر للهوية والمصالح الجماعية. وقد أظهرت دراسات عديدة حول صعود الأحزاب الشعبوية في أوروبا وأمريكا اللاتينية أن هذا الخطاب غالبا ما يغذّي الكراهية تجاه الجماعات المستهدفة، كالمهاجرين او الأقليات العرقية او الجنسية ،مثلا، ويحوّل الانقسامات الثقافية أو الدينية أو السياسية إلى صراع وجودي.
الأيديولوجيا المغلقة: حين يتحول الإقصاء إلى واجب
عندما تتضافر الشعبوية مع أيديولوجيا مغلقةوموروثة، يصبح نزع الإنسانية سهل ويكون أداة منظمة للتحريض. فالآخر لا يُرى حينها كفرد أو كمواطن له حقوق، بل كعدو جوهري (ديني او طبقي ). وفي هذه اللحظة يتحول الصراع معه إلى واجب أخلاقي في نظر أتباع الخطاب المغلق.هنا يتجاوز الأمر حدود الخطاب ليصبح بنية ثقافية وسياسية متكاملة: الخوف يتحول إلى هوية، والإقصاء إلى قاعدة، والكراهية إلى ممارسة شبه طبيعية.
المخاطر الكبرى
المخاطر التي يطرحها هذا المسار لا تبقى نظرية. فحين يُطبَّع خطاب الكراهية ويتعمق الاستقطاب، يتآكل أساس التعايش نفسه، وتتحول الديمقراطية تدريجيا ، حتى في البلدان العريقة في مجال الحريات، إلى واجهة شكلية، حيث يتحوّل القانون الى اداة في صراع السلطة واعدائها، بدل أن يكون ضمانة لحقوق كل الناس.
كما يُستغل الخوف من الآخر لتعزيز الولاءات السياسية وتعبئة الجماهير الغاضبة ، ما يرسخ التمييز الاجتماعي والسياسي ويجعل الشعبوية جزءا من الحياة السياسية اليومية. وهكذا ، يصبح النسيج المدني هشا، وتتبدل العلاقات بين المواطنين من تعاون وتعايش إلى انعدام ثقة وخوف متبادل، وهي بيئة قابلة لكل المخاطر في أوقات الأزمات.
الوعي السياسي والثقافي كخطّ دفاع:
مواجهة هذا المنحدر تتطلب مسارين متكاملين: ثقافة نقدية تأخذ مسافة من الواقع وسياسة واعية ومسؤولة...مهمة النخب ، او ما بقى منها، اليوم هي كشف الوجه الحقيقي للشعبوية ، وتفكيك الصور النمطية التي تربط الاختلاف بالخطر. وكذلك التأكيد على ان المؤسسات المستقلة والأحزاب السياسية والحوارهي أدوات ضرورية لنشر خطاب المواطنة وحماية الحقوق وضمان تطبيق القانون.كما أن الشفافية والمساءلة، لكل المواطنين مهما اختلفت مواقهم ، ليستا ترفا سياسيا، بل شرطا ضروريا لمنع تحويل المخاوف الرمزية إلى إقصاء أو عنف حقيقي.
وفي الحقيقة ،نزع الإنسانية ليس مفهوماأكاديميا مجردا، بل هو خطر واقعي يمكن أن يقوّض المجتمع. وقد رأينا ان الشعبوية، بما تحمله من قابلية لتغذية الكراهية، لا تنتظر كثيرا قبل أن تترجم خطابها الخطير إلى واقع.
وإذا لم تُواجه هذه النزعة الكامنة في المخيلة الاجتماعية، فقد يتحول الخوف تدريجيا إلى وحش يبتلع المجال العام، ويترك وراءه مجتمعاهشا، متناحرا ، عاجزا عن التعايش أو الحفاظ على تماسكه.
الخيار واضح، وإن كان صعبا ويستحق إرادة قوية : إما مواجهة هذا الوحش الكامن في داخلنا وإعادة تثبيت الكرامة الإنسانية أساسا للتعايش، وإما ترك الكراهية تتمدد حتى تصبح سلوكا يوميا يطبع المجتمع كله، وحتى الأجيال القادمة.