وخلال سقوطه المميت، يهمس لنفسه مرارا ليواسيها: حتى الآن، كل شيء على ما يرام… حتى الآن، كل شيء على ما يرام… لكن الحقيقة المرعبة ليست في سقوطه، بل في ارتطامه النهائي " من فيلم (الكراهية) للمخرج الفرنسي ،ماثيو كاسوفيتز(Mathieu Kossovitz)
ما يواجهه مجتمعنا اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو صعوبات اقتصادية، بل خلل عميق يمسّ قواعد العيش المشترك نفسها، فعندما يُنظر إلى الاختلاف على انه تهديد، وتتحول السياسة من اداة للنقاش والتسوية والتوافق الى سلاح للتخوين والوصم والادانة، فإن الخطر لا يقتصر على غياب المؤسسات ولا على التضييق على حرية الرأي ولا حتى شظف العيش، بل يمتدّ إلى ما يمكنه تسميته بالعقد الاجتماعي الذي يقوم عليه تماسك المكونات السياسية، بكل اطيافها، ففي اعتقادي، ودون تهويل او اثارة ، نحن أمام لحظة اختبار حقيقية لقدرتنا على إعادة بناء المشترك بيننا قبل أن يتآكل أكثر، ونتحول الى مجتمع تسوده الكراهية ويحكمه الانقساموالتشرذم.
الفكرة التي أنقذت السياسة من العنف
لنعد قليلا الى الوراء: كيف ظهرت فكرة العقد الاجتماعي في الفكر السياسي الحديث؟ لقد ظهرت بوصفها إجابة عن سؤال مهم: كيف يمكن للناس أن تتعايش دون أن يتحول اختلافهم ومعتقداتهم وآرائهم المتناقضة إلى صراعات مدمّرة ؟ جاء الفلاسفة وعلماء الاجتماع بأفكار تؤسس للعيش المشترك: مثلا، عند توماس هوبز، كان العقد المجتمعي وسيلة للخروج من حالة الفوضى والصراع الدائم، وعند جون لوك، أصبح ضمانا للحقوق الطبيعية وتقليصا لسلطة الحاكم، أما جون جاك روسو ، فقد ربطه "بالإرادة العامة"، لكن ضمن أفق قانوني يفترض مساواة المواطنين، حيث يجب ان يتنازل الافراد داخل المجتمع عن حريتهم الطبيعية لفائدة حرية مدنية متساوية ، وهنا يتحوّل الانسان من كائن طبيعي الى مواطن.
رغم اختلاف تصوراتهم، اتفق هؤلاء على فكرة محورية: لا يمكن قيام مجتمع سياسي مستقر دون اتفاق ضمني أو صريح يحدد قواعد العيش المشترك، ويضبط السلطة، ويعترف بتعدد أفكار الأفراد داخل جماعة واحدة. العقد الاجتماعي لم يكن مجرد نظرية، بل كان محاولة لتحويل القوة إلى شرعية، والانقسام إلى تنظيم والسلطة الى ميثاق بين الحاكم والمحكوم.
الفراغ العقدي في تونس
الثورة التونسية فتحت أفقا أخلاقيا جديدا قائما على مبادئ الديمقراطية والحرية والكرامة، لكن مسارها لم يتحوّل إلى عقد اجتماعي متين يربط بين الحرية السياسية والعدالة ، فبقيت العلاقة بين الدولة والمجتمع متأرجحة: دستورمخطوط، ومؤسسات شبه قائمة، لكن ثقة ضعيفة، وإحساس عام بعدم الإنصاف.
وعندما يفقد العقد الاجتماعي فاعليته، يتراجع الإحساس بالالتزام المتبادل: المواطن لا يرى في الدولة إطارًا يحمي حقوقه، والدولة لا ترى في المواطن شريكًا بل عنصرا يجب ضبطه ومراقبته، و في هذا الفراغ، تتقدم الشعبوية بوصفها وعدا بإعادة التأسيس.
الشعبوية كتشويه لفكرة الإرادة العامة
وقد تستعير الشعبوية سردية العقد الاجتماعي، لكنها تُفرغها من مضمونها السلمي والتعددي المنفتح، اذ هي تتحدث باسم “الشعب”، لكنها تعيد تعريفه كجماعة متجانسة أخلاقيا وسياسيا ، وهنا يكمن الانزلاق الخطير : بدل أن تكون الإرادة العامة نتيجة تفاعل بين مواطنين متساوين أمام القانون، تصبح تعبيرا عن قراءة واحدة للحقيقة الوطنية، وينقسم الشعب الى "انقياء" و"فاسدين".
بهذا المعنى، تتحول الإرادة العامة من مفهوم قانوني جامع إلى أداة إقصاء، من يعارض لا يُعتبر مختلفا سياسيا، بل منبوذا و"خارجا عن الجماعة". وهكذا يتآكل الاعتراف المتبادل، وتتحول السياسة إلى صراع حول من يملك تعريف الشعب ذاته، ومن يحقه له التحدث باسمه...
الكراهية كنتيجة لانهيار العقد
في غياب عقد اجتماعي فعّال، تعود المجتمعات إلى منطق أقرب إلى “حالة الطبيعة” الرمزية، بتعريف روسو: تنافس غير مقنن، تخوين متبادل وصراع على الشرعية بين "النحن" وال"هم"... الكراهية هنا ليست مجرد خطاب حاد، بل مؤشر على أن الإطار المنظم للاختلاف قد ضعف وربما سيختفي نهائيا.
فحين لا تكون القواعد واضحة ومستقرة، يصبح الولاء الشخصي او الأيديولوجي بديلا عن الشرعية المؤسسية، وبهذا المعنى ، تتحول السياسة من إدارة للتعدد إلى سعي متواصل لاحتكار المعنى... والسلطة.
تأويل خاطئ لإرادة الشعب:
إن السؤال الذي يواجه تونس اليوم ليس فقط من يحكم، بل على أي أساس يُبنى الحكم ذاته: هل على أساس عقد يضبط السلطة ويعترف بالتعدد، أم على أساس تأويل أحادي "للإرادة الشعبية" يُقصي منها كل اختلاف؟
التاريخ يُعلّمنا أن المجتمعات التي تُفرّط في عقدها الاجتماعي (ليس بالضرورة ان يكون مكتوبا)لا تدخل مباشرة في الفوضى، بل تمرّ أولا بمرحلة تآكل بطيء: تآكل الشرعية ، ثم تآكل الثقة في المشترك، في هذه المرحلة تبدو الدولة قائمة، لكن الرابط الأخلاقي والسياسي الذي يمنحها الشرعية يكون قد ضعف واهترى. وعندما يضعف هذا الرابط، تصبح الكراهية أداة سهلة لإعادة تعريف الانتماء، ويصبح الاستبداد وسيلة لتثبيت النظام.
الخطر لا يكمن فقط في الاستقطاب السياسي، بل في تحوّل الاستقطاب إلى بنية دائمة للوعي العام. فإذا ترسّخت فكرة أن الشعب واحد لا يتعدد، وأن المعارضة شبهة، وأن النقد تهديد، يفقد المجال العام طابعه التعددي، وتتحول السياسة إلى صراع حول من يحتكر الوطنية.
وإذا استمر هذا الانحدار، تصبح الدولة قائمة شكليا، حتى لو كانت قوية بأدواتها الصلبة بينما تصبح الكراهية والاقصاء قاعدة حياة المجتمع نفسه... تونس اليوم أمام مفترق حاسم: إما إعادة تأسيس عقد اجتماعي يعترف بتعدد مشاربها وافكارها ويضبط سلطتها بالقانون، أو استمرار الانزلاق نحو نموذج يُعرّف الوحدة عبر الإقصاء، ويستمد تماسكه من اختلاق أعداء دائمين، وفي المجتمعات التي تحتاج دائمًا إلى عدو كي تظهر تماسكها الوهمي، لن يكون أحد في مأمن من المخاطر لمدة طويلة ...حتى السلطة نفسها.