في نقص المناعة الديمقراطية

يرى عالم الاجتماع التونسي، الطاهر لبيب، أن المعضلة

الاساسية للديمقراطية في المنطقة العربية لا تكمن في قمع مسارها من قبل الأنظمة الاستبدادية فقط، بل في كونها لم تنشأ تاريخيا كمطلب اجتماعي متجذر، أي انها لم تتحول إلى مشروع اجتماعي وسياسي وثقافي يسكن وعي الناس ويشكّل جزءا من تصورهم الطبيعي للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، أي لم تكن قيم المواطنة، والمشاركة السياسية، والفصل بين السلطات عناصر من “الحسّ المشترك” للمجتمع، بل بقيت مفاهيم متداولة في دوائر النخب السياسية والمدنية ، فكرةً “فوقية”، تتجلّى في الخطاب أكثر مما تعيش في البنية الاجتماعية، وهنا يتقاطع الطاهر لبيب مع أنطونيو غرامشي، الذي يرى انه لا يمكن أن يستقر نظام ديمقراطي ما لم تسبقه ثورة هادئة في الوعي، تجعل قيمه بديهية لا شعارات.
ديمقراطية بلا قاعدة اجتماعية:
من هذا المنظور يمكن، ربما، فهم المفارقة في التجربة العربية، فالشعوب قادرة على الانتفاض ضد الاستبداد، لكنها أقل استعدادا للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية التي تنشأ بعده،وبعبارة أخرى ، الثورة على الظلم لا تعني بالضرورة الإيمان بقواعد اللعبة الديمقراطية، ولا بأهميتها...وهكذا، ما ان تتحول المرحلة الانتقالية إلى صراعات حزبية حادة، وخطابات إيديولوجية متصادمة، وارتباك في الأداء، حتّى تنشأ لدى قطاعات واسعة من الشعب قناعة بأن “الحرية” لم تجلب سوى الفوضى، ويعود الحنين إلى السلطة القوية بوصفها عنوانا للنظام والاستقرار... هنا تنكشف هشاشة الأساس الاجتماعي للديمقراطية:، أي انها لم تُهزم لأنها رُفضت فكريا، بل لأنها لم تكن في يوم ما قاعدة اجتماعيًة.
تحديث فوقي:
هذا التحليل يحيل الى التناقض البنيوي الذي حكم دولة الاستقلال في تونس، فقد حملت مشروع تحديث واسع، لكنه كان تحديثا موجَّها من أعلى، لا مسارا تشاركيا يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع،فقد نجحت الدولة في تعميم التعليم، وتنظيم الأسرة، وتحرير المرأة، وبناء إدارة حديثة، أي أنها حدّثت (نسبيا) المجتمع في أنماط عيشه، لكنها، في المقابل، أغلقت المجال السياسي، واحتكرت الفعل العام، ومنعت تشكّل فضاء مدني مستقل وصراع سلمي على السلطة، وبالنتيجة جرى تحديث محدودللمجتمع دون تحديث السياسة، أي تشكّلت بعض مظاهر التحديث دون تحوّل اجتماعي عميق.
وفي ظل هذا النموذج، لم يتكوّن المواطن بوصفه فاعلا سياسيا، بل بوصفه قاصرا ،متلقيا لسياسات الدولة،فالدولة الأبوية اعتبرت نفسها المعبّر الوحيد عن “المصلحة العامة”، تمنح وتمنّ، تعاقب وتكافئ، وترسم حدود الممكن والممنوع، وبذلك لم تتكوّن ثقافة مساءلة، ولا شعور بأن السياسة مجال عام يمكن التأثير فيه من قبل المواطن و ظلت الديمقراطية شعارا هلاميا لا مطلبا شعبيا يستحق الدفاع عنه، وزادت من ضبابيته إيديولوجيات معارضة مغلقة تسعى الى اعادة إنتاج منطق الوصاية ذاته، وإن بلغة وادوات مختلفة. باختصار، أرادت دولة الاستقلال أن تُدخل المجتمع في مشروعها، لا أن تشركه في صياغته.
سوء فهم بين الشعب والنخب:
عندما جاءت فترة الانتقال الديمقراطي، بدا وكأن السؤال المؤجل طُرح فجأة: هل يوجد مجتمع جاهز لحمل "مشروع" الديمقراطية؟ دعنا نقول ان ما ظهر منذ البداية كان سوء تفاهم جوهري بين المجتمع والنخب، فالمجتمع رأى في الديمقراطية وسيلة لتحسين شروط حياته المعيشية، بينما انخرط جزء كبير من النخب في صراع محموم على مواقع السلطة داخل النظام الجديد، وقد تزامن ذلك مع انتقال سياسي سريع ومفاجئ لم يواكبه تحول موازٍ في البنية الاجتماعية والثقافة السياسية، حتى المؤسسات التي أُنشئت باسم الديمقراطية ( الدستور، الهيئات الدستوريةالمؤقتة، قوانين الحريات ) بدت لجزء كبير من الشعب غير مهمة و بعيدة عن همومه اليومية، وكأنها شأن حزبي ونخبوي لا يغيّر واقعهم المباشر في شيء.
ومع هشاشة المجتمع المدني، وسرعة استجابته للاستقطاب، وصراعات حزبية استنزفت الثقة العامة وتفّهت صورة التعدد السياسي لدى المخيالالشعبي، ومع استمرار التصور العمودي للدولة بوصفها الحامي والراعي، تصوّر عمقه التباس شعارات الثورة وضخامةالانتظارات ، بقيت الديمقراطية بلا سند اجتماعي صلب، اذ لم تتحول إلى قيمة تُدافع عنها الجماعات حين تُهدَّد، بل ظلت آلية سياسية رخوة ،قابلة للاستبدال، لذلك، حين حدث الارتداد، لم يثر اهتمام الكثيرين ولم يكن صادم لعامة الشعب ، بل و الادهى أحدث، أيضا، ارباكا كبيرا حتى لدى النخب ، مجتمع مدني وأحزاب سياسية،في حين انه كان نتيجة منطقية لمسار لم تُحسم شروطه الاجتماعية منذ البداية، فالديمقراطية التي لا تتحول إلى ثقافة، تبقى نظاما هشّا،وكل ما لا يتجذر لدى النخب و في المجتمع من قيم ، يسهل اقتلاعه عند أول عاصفة.
غضب صامت:
واليوم، ومع الانسحاب القسري للسياسة من الفضاء العام، وسعي السلطة إلى الانفراد بأدوات الفعل بكل التفاصيل، في قطيعة معلنة مع الماضي الذي تُسوِّقه ،بوصفه مصدر كل الشرور والإخفاقات، مستثمرةً في الغضب الشعبي من التجاذبات السياسية العقيمة، يبرز سؤال جوهري: هل حقق نظام 25 جويلية 2021 أيّا من المطالب الشعبية التي يمكن أن تبرّر استهدافه للمسار السابق؟
ذلك لم يحدث، فاستمرّت الأزمة، وتعمّق الإحباط... غير أنّها لم تنفجر كما في 2011، حين كان الأمل في التغيير حاضرا، بل تحوّلت إلى ما نعيشه اليوم: غضب صامت، وتوتّر متراكم يصعب التنبؤ بمآلاته.
إعادة الاعتبار للسياسة:
وإذا استثنينا وعيا بالتحديات وعمق الازمة (رغم انه وعي مضطرب ومتأخر ومحدود) لدى بعض النخب، فإن المجتمع لا يعيش صدمة بقدر ما يعيش حالة استنزاف متواصل، تتجلى في تآكل الثقة في كل فعل سياسي وفي شخوصه، وانحسار الاهتمام بالشأن العام والفعل المشترك.
وهكذا يتحول الخطاب السياسي إلى مادة للسخرية والتهكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتغدو المحطات السياسية، بما فيها الانتخابات مهما كانت شروطها، مجرد إجراءات شكليةو الأخطر من ذلك أن "محرار" الغضب الشعبي بدأ ينفصل تدريجيًا عن الفعل السياسي، ولم يعد أحد قادرًا على توقع مساراته أو نتائجه... في هذا المناخ: هل يمكن للمعارضة السياسية، أو ما تبقّى منها، أن تعيد الاعتبار للسياسة؟في رأيي المتواضع، ذلك مشروط بأمرين: أوّلًا، إعادة تقييم دقيقة لفترة الانتقال الديمقراطي والاعتراف بالأخطاء التي ارتكبها كل الفاعلين في المجال العام (ولو بدرجات متفاوتة)آنذاك، وثانيًا، الاقتناع بأن استعادة الديمقراطية لا تُختزل في المناكفة اليومية للسلطة، حول احتكارها للفضاء العام وتجييره، بل في فهم عميق للعلاقة المتوتّرة بين شعب يطمح إلى تحسين أوضاعه الاجتماعية وديمقراطية، تنادي بها النخب، بدت متعالية.

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115