الشعبوية والشعبوية المضادة

يمكن القول إن من بين التحولات الإيجابية التي

عرفها الوضع السياسي التونسي خلال السنوات الأخيرة اتساع دائرة تداول المصطلحات السياسية خارج الإطار النخبوي الضيق، سواء كان سياسيا أو إعلاميا أو أكاديميا، لتشمل فئات اجتماعية أوسع. فقد أصبحت مفاهيم مثل الاستبداد والحرية والديمقراطية والعدالة والدولة والحقوق حاضرة بكثافة في النقاشات العمومية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس ارتفاعا ملحوظا في منسوب التسييس المجتمعي، وهو أمر مفهوم في سياق ما بعد الثورة.
غير أن مصطلح الشعبوية تميز، منذ نهاية سنة 2021، بكثافة استثنائية في الاستعمال مقارنة ببقية المفاهيم، كما تميز بتحوله إلى أداة توصيف إدانـي، أو ما يشبه الوصم السياسي، حيث بات يستخدم أساسا للإشارة إلى السلطة القائمة وأنصارها، بما جعل الحديث عن الشعبوية يكاد ينحصر في شخص رئيس الجمهورية قيس سعيد وخطابه. في هذا السياق، تشكل خطاب معارض للشعبوية السلطوية، شمل المجالين الأكاديمي والسياسي في آن واحد، حيث صدرت دراسات تحليلية سعت إلى تفكيك هذه الظاهرة، وبموازاتها نشأ خطاب سياسي وإعلامي ومجتمعي يهدف إلى مواجهة رموز الشعبوية ومقولاتها وممارساتها بوصف ذلك شكلا من أشكال المقاومة والصمود أمام منظومة الحكم القائمة. غير أن هذا الخطاب المعارض، وعلى الرغم من تنوع الفاعلين المنخرطين فيه من جامعيين ومثقفين وصحفيين وسياسيين ومواطنين عاديين، لم ينجح في جزء معتبر منه في الانفصال عن منطق الشعبوية الذي يعارضه، بل استلهم بعض آلياتها ومقولاتها ليعيد إنتاجها في صيغة مقلوبة، متحولا بذلك إلى ما يمكن تسميته شعبوية مضادة، لا إلى خطاب نقدي مضاد للشعبوية.
وقبل تناول مظاهر هذه الشعبوية المضادة، من الضروري تقديم توضيح عام لما نعنيه بمفهوم الشعبوية، دون ادعاء الإحاطة بكل تعقيداته النظرية أو تتبع مختلف استعمالاته. فالشعبوية، في هذا الإطار، هي خطاب سياسي يتمحور حول تصور للشعب باعتباره كيانا متجانسا ونقيا، يُنسب إليه احتكار مصادر الشرعية والعدالة والقانون والحق وحتى الحقيقة ذاتها. ويقوم هذا الخطاب على علاقة ضدية مع كل من لا يندرج ضمن هذا التصور الكلي للشعب، وفي مقدمتهم النخب السياسية والفكرية والعلمية.
كما يمثل وجود عدو، حقيقيا كان أو متخيلا، داخليا أو خارجيا، عنصرا ثابتا في الخطابات الشعبوية، ويرتبط بذلك اعتماد سرديات المؤامرة بوصفها تفسيرا شاملا للأزمات. ويستمد الخطاب الشعبوي عناصره من داخل الإيديولوجيات السياسية الكبرى على اختلافها وتناقضاتها، ليؤلف منها توليفة متجانسة ظاهريا تخدم غاياته التعبوية. فمن الخطأ اعتبار الشعبوية إيديولوجيا قائمة بذاتها، إذ هي في جوهرها ممارسة خطابية تستهدف التأثير في السامعين وضمان ولائهم أكثر مما تهدف إلى تغيير الواقع تغييرا فعليا. وتساعد هذه الخصائص الخطاب الشعبوي على تسهيل وصول أصحابه إلى السلطة، لكنه سرعان ما يصطدم، بعد ذلك، بواقع المجتمع والدولة الذي كان يتجاوزه خطابيا. وباعتبار الشعبوية خطابا، فهي تحتاج إلى حد أدنى من الحرية كي تظهر وتنتشر في الفضاء العام، وهو ما يفسر ارتباطها عضويا بمناخات الانفتاح النسبي، رغم كونها من أول الظواهر التي تعمل على تقويض هذا الهامش من الحرية عند وصولها إلى السلطة.
ويتيح هذا المعطى فهما أعمق للحضور القوي للخطابات الشعبوية في الحالة التونسية بعد الثورة، باعتبارها أحد تجليات ما سمي بالاستثناء التونسي في السياق العربي. انطلاقا من هذا التعريف، لا يتطلب تصنيف خطاب الرئيس قيس سعيد ضمن خانة الشعبوية جهدا كبيرا، إذ تتوفر فيه أغلب العناصر المكونة لهذا النمط الخطابي. غير أنه من المهم التنبيه إلى نقطتين أساسيتين.
تتعلق الأولى بطبيعة هذه الشعبوية التي يمكن توصيفها بالشعبوية الاحتجاجية، حيث تركز على مسألة اللامساواة الاجتماعية ضمن إطار معركة وطنية مصطنعة، يكون فيها العدو داخليا في الغالب، ممثلا في المحتكرين أو الفاسدين أو الخونة.
أما النقطة الثانية فتتعلق بضعف البعد السياسي في هذا الخطاب لصالح التحريض الانفعالي، الذي يتوجه إلى السامعين بهدف تأليب دوافعهم النفسية وضمان ولائهم، أكثر مما يسعى إلى دعوتهم للانخراط في مشروع سياسي محدد. ويجد هذا الخطاب صدى له في حالة نفسية جماعية يمكن ربطها بما يعرف في التحليل النفسي الاجتماعي بالشخصية التسلطية، أي تلك التي تبدي استعدادا لقبول حكم قوي وتمجيد القوة وممارستها بدورها تجاه الفئات الأضعف في المجتمع.
في مواجهة منظومة الحكم الشعبوية وخطابها وآلياتها التعبوية وجمهورها، تشكلت بطبيعة الحال خطابات معارضة متعددة، صدرت عن الأحزاب والنخب والمواطنين المتابعين للشأن العام، وكان من المفترض أن تتمايز هذه الخطابات عن الشعبوية التي تعارضها، سواء على مستوى المنطق أو اللغة أو الغايات. غير أن الواقع يكشف أن جزءا غير يسير من هذه الخطابات انخرط، بشكل واع أو غير واع، في إعادة إنتاج نفس منطق الشعبوية، ليصبح خطابا شعبويا مضادا لا خطابا نقديا عقلانيا.
ويمكن تتبع مظاهر هذا التماهي من خلال عدة أمثلة، من أبرزها الاستعمال المكثف لمفهوم الشعب بوصفه كيانا متجانسا، حتى في الخطاب المعارض، مع إضفاء حمولة سلبية عليه هذه المرة، من خلال نعوت مثل الجهل أو التخلف أو الدهماء. وهكذا، كما تقدم الشعبوية السلطوية صورة لشعب إيجابي يعرف ما يريد تقدم الشعبوية المضادة صورة لشعب سلبي يستحق ما يحدث له. ويؤدي هذا الاستخدام وظيفتين متطابقتين مع ما تقوم به الشعبوية وجمهورها من الشخصية التسلطية. أولاهما وظيفة الإسقاط، حيث يُلقى اللوم على الشعب بدل التوجه إلى نقد الذات وتحمل المسؤولية، وهو ما يمثل بديلا عن الاستبطان الذاتي.
أما الوظيفة الثانية فتتجسد في الصلافة الخطابية وغياب التحفظ والحدود الأخلاقية في التعامل مع الخصوم، حيث يتحول الشعب ذاته إلى خصم لأنه بات مرتبطا بالسلطة.ويبلغ هذا المنحى درجة أكثر خطورة عند تبرير المعاناة الاجتماعية بعبارات من قبيل إن الشعب يستحق ما يحدث له بما يحمله ذلك من نزعة شماتة وتلذذ بمعاناة الآخرين، وهي نفس النزعة التي تظهر لدى أنصار السلطة عند استهداف المعارضين. إلى جانب ذلك، يعيد خطاب الشعبوية المضادة إنتاج نزعة ممارسة القوة على الفئات الأضعف، وهي النزعة ذاتها التي تميز الشخصية التسلطية الداعمة للشعبوية السلطوية.
فاستهداف الشعب، باعتباره مفهوما فضفاضا وغير محدد، يصبح سهلا لغياب طرف واضح يدافع عنه، ويتضح هذا المنحى بشكل أكبر عند توجيه الخطاب نحو ما يُفترض أنه فئة اجتماعية رديفة للشعب (الزواولة)، والمقصود بها الفئات الفقيرة أو المهمشة، التي يُنظر إليها باعتبارها القاعدة الاجتماعية للشعبوية الحاكمة.
وفي هذا السياق، تتحول هذه الفئات إلى هدف لخطاب عدائي تعويضي، يعكس عجز أصحابه عن مواجهة السلطة ذاتها، فيعاد إنتاج منطق القوة والعنف الرمزي بعيدا عن روح القانون والأخلاق، تماما كما تفعل الشعبوية التي يعارضونها. وعلى غرار هذه الأمثلة، يمكن رصد أشكال أخرى من إعادة الإنتاج العكسي للشعبوية، من خلال الشحن العاطفي والنزعة الماضوية وتوظيف الأحكام المسبقة والوصمات الاجتماعية بوصفها حججا، أو من خلال تجاوز الإطارين الأخلاقي والقانوني في الممارسة الخطابية،أو اعتماد التعميم والانتقائية والانتهازية في التعامل مع القضايا، بحيث يكون الخطاب ديمقراطيا في سياق وعنصريا في سياق آخر، تقدميا اليوم وحنينا إلى الماضي غدا.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن التموقع في خانة معارضة الشعبوية السلطوية لا يضمن بالضرورة القطع مع منطقها، إذ إن الشعبوية، في جوهرها، تقوم على غياب العقلانية، وطالما ظل هذا الغياب حاضرا لدى جزء من خصومها المعلنين، فإن الفضاء السياسي سيظل أسير التداول بين شعبويات متنافسة، دون أفق حقيقي لبناء خطاب ديمقراطي عقلاني بديل.
بقلم: عادل اللطيفي (مؤرخ وناشط سياسي)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115