في إنكار القانون الدولي أو إعلان موته، بل في تفكيك منطقه الداخلي والكشف عن تحيّزاته التاريخية والمعرفية، وإخضاع مفاهيم الضرورة والاستثناء والسيادة لمساءلة أخلاقية وسياسية صارمة تُعيد الاعتبار للعدالة بوصفها معيارًا لا يُعلَّق باسم الأمن؛ وهذا التفكيك لا يعني هدم المؤسسات، بل يعني إعادة بنائها على نحو يقلّل مساحة الاستثناء ويجعل تفعيلَه محكومًا بشروط موضوعية صلبة وقابلة للتقاضي والمراجعة، مثل إخضاع قرارات الفصل السابع لرقابة قضائية حقيقية حيثما أمكن، وتقييد أدوات العقوبات أحادية الجانب وتجريم استخدامها خارج تفويض جماعي واضح، وتعزيز حجّية الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وتوسيع نطاق الوصول إليها، وإعادة توزيع السلطة داخل مجلس الأمن لتقليص أثر حق النقض على حالات الفظائع الجماعية والأضرار الاجتماعية الجسيمة، وإدماج مقاربات العالم الثالث في صناعة قواعد التفسير والتعليم القانوني بحيث يصبح «الحياد» خطابًا مُمتحنًا لا افتراضًا موروثًا. كما يستدعي الأمر نقل النقاش من إدارة «المخاطر» إلى إدارة «العدالة»، أي تثبيت أن معيار الضرورة لا يعمل إذا كان يُنتج على نحو مُمنهج أضرارًا غير متناسبة على الفئات الأضعف—داخل الدول وبينها—وأن أيّ استثناء يُقاس بمعيار أثره على بنية الحقوق لا بمعيار فاعليته الأمنية فحسب.
خاتمة : نحو عدالة مغايرة تعيد تأسيس القانون الدولي
تكشف الأزمة الفنزويلية، في ضوء تفكيكنا المعياري لما بعد الوضعية وما بعد الكولونيالية، عن مفارقة بنيوية في القانون الدولي: فالمشكلة ليست في خرق القانون بقدر ما هي في قابليته لتوليد شرعية تقنية لاستعمالات القوة عبر مفاهيم «الضرورة» و«الاستثناء» و«الأمن»، بما يجعل تعليق القاعدة يُقدَّم بوصفه حمايةً لها، ثم يستقرّ، مع تكرار الأزمات، كأفق دائم. إنّ قراءة كوسكنييمي لبنية الحجاج القانوني تُظهر أن «اللا-حسم» ليس عيبًا عرضيًا بل سمة تسمح بنقل الخطاب من الاعتذار الواقعي إلى اليوتوبيا المعيارية، بينما يبيّن أغامبين أن الاستثناء تقنية قانونية تُفَعّل من داخل المنظومة لا خارجها. ويُعمّق نقد المقاربات العالمية الثالثة للقانون الدولي TWAIL هذه الصورة حين يكشف التراتبيات المضمرة التي تجعل من بعض الدول—ومنها فنزويلا—موضوعًا للاستثناء أكثر من غيرها، لأن توزيع أدوات التأويل والتعليق والاعتراف ليس محايدًا ولا متكافئًا. هكذا يصبح الخطر الحقيقي في قدرة القانون ذاته على استيعاب القوة وتطبيعها، بحيث يُعاد تعريف السيادة امتيازًا مشروطًا بميزان القوة لا حقًا قانونيًا متساويًا، وتغدو «الإدارة القانونية للأزمات» مسارًا لإدامة اختلالات تاريخية لا لتصحيحها.
غير أنّ الانطلاق من هذا التشخيص لا يكفي؛ إذ إنّ تجديد القانون الدولي يتطلّب انتقالًا معيارياً يتجاوز ترميم الإجراءات أو توسيع النصوص إلى إعادة تأسيس فلسفية تعيد مركز الثقل من إدارة المخاطر إلى رعاية العدالة. هنا تقدّم العدالة الديكولونيالية إطارًا مضادًا للهيمنة يستعيد «الكرامة» و«الحياة» و«التكافؤ» بوصفها معايير غير قابلة للتعليق. فقراءة إنريكي دوسّل لأخلاقيات التحرّر تضع «حسّ الحياة» قاعدةً معيارية تُحاكم بها شرعية التدابير: ما يُضعف حياة الأكثر هشاشة يصبح، من حيث المبدأ، غير مشروع مهما كانت ذرائع الأمن. ويضيف أنيبال كويخانو مفهوم «استعمارية السلطة» لكشف كيف تُعيد البنى القانونية إنتاج تراتبيات تاريخية تجعل من العقوبات، وحظر الوصول إلى الموارد، والتحكيم الاستثماري، أشكالًا من العنف البنيوي المقنّن. ويقترح والتر مينيولو «تفكير الحدود» بوصفه ممارسة معرفية تُدخل إلى الحقل القانوني أصواتًا ومرجعيات من الجنوب تتحدى أحادية اللسان الكوني المزعوم، فيما يدعو بوفنتورا دي سوزا سانتوس إلى «إيكولوجيا المعارف» التي تُنهي احتكار المركز لابتكار المعايير، وتفتح القانون على تعدّد عقلانيات العدالة لدى الشعوب والحركات الاجتماعية. وتذكّرنا قراءة أشيل مبمبي لـ«سياسات التمييت» بأن أي نظام قانوني يطبّع حرمان الفئات الضعيفة من سبل العيش—عبر حصار اقتصادي أو قيود مالية—ينزلق، مهما تحصّن بحجج الأمن، إلى شرعنة إدارة الموت بدل حماية الحياة.
من هذا الأفق، تُصبح الحالة الفنزويلية اختبارًا معياريًا لا لمدى «فعالية» التدابير الأمنية بل لمدى «عدالتها» وفق مبادئ ديكولونيالية ملموسة. أولًا، مبدأ الكرامة غير القابلة للتعليق: لا تُقاس شرعية أي استثناء بقدرته على تثبيت الاستقرار، بل بقدرته على صون الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفئات الأضعف؛ فإذا كانت العقوبات الشاملة تُنتج حرمانًا واسعًا من الغذاء والدواء والعمل، فهي، من منظور التحرّر، غير مشروعة مهما زُخرفت بتبريرات تقنية. ثانيًا، مبدأ التناسب الحياتي: التناسب هنا لا يُختزل في قياس «الوسيلة» و«الهدف» أمنياً، بل يُقرأ في ضوء أثر التدبير على الحياة اليومية؛ كل إجراء يُحدث أضرارًا غير متناسبة على الفقراء والنساء والمرضى والأقليات يَسقط معياريًا—even إن أمكن الدفاع عنه إجرائيًا. ثالثًا، مبدأ التشاركية والاعتراف: العدالة لا تُنتج في غرف مغلقة؛ إنّ إشراك المجتمعات المحلية والنقابات والحركات الاجتماعية في تقييم أثر التدابير وإعادة تصميمها شرطٌ لمشروعية تطبيقها، بما يعيد توزيع سلطة التأويل خارج احتكار الدول الكبرى والمؤسسات المالية. رابعًا، مبدأ التعدّدية القانونية (pluriversality): ينبغي فتح القاعدة القانونية على خبرات الجنوب ومعارفه المعيارية—من العدالة المجتمعية إلى أشكال المصالحة والوساطة الشعبية—لأن الكونية الحقيقية تُبنى بالتعدّد لا بالفرض. خامسًا، مبدأ الإصلاح والترميم: العدالة لا تكتفي بوقف الضرر؛ هي تسعى إلى جبره عبر مسارات تعويض وإصلاح بنيوي للدول والمجتمعات المتضرّرة من تدابير قسرية أو تدخلات زادت هشاشتها الاقتصادية والسياسية.
وتبعًا لهذه المبادئ، لا يعود تجديد القانون الدولي مجرّد «تحسين» لأدوات مجلس الأمن أو «ترشيد» للعقوبات، بل مشروع إعادة بناء يَحدّ بشكل ملموس من مساحة الاستثناء ويجعل تفعيله محكومًا بشرطَيْن متلازمَيْن: المساءلة القضائية والعدالة الاجتماعية. عمليًا، يعني ذلك: إدخال شرط الأثر الاجتماعي بوصفه معيارًا ملزمًا في أي تفويض جماعي للتدابير القسرية، وإقرار فترات انقضاء تلقائي (sunset clauses) مع مراجعات دورية تُدار بمشاركة مجتمعية؛ تقييد العقوبات أحادية الجانب خارج التفويض الجماعي وتجريم استخدامها حين تُنتج أضرارًا جسيمة غير متناسبة؛ توسيع الوصول إلى محكمة العدل الدولية والرأي الاستشاري وجعل وزنِه المعياري أعلى في تقييم شرعية التدابير؛ إعادة توزيع السلطة داخل مجلس الأمن لتقليص أثر حق النقض في حالات الأضرار الاجتماعية الجسيمة؛ إدماج «اقتصادات التضامن» و«عدالة الدين» و«عدالة المناخ» في تقدير شرعية التدابير، لأنّ هشاشة الجنوب ليست معزولة عن بنى مالية وبيئية عالمية؛ وأخيرًا، بناء آليات «تحكيم شعبية» موازية (مجالس خبراء مستقلة، محاكم شعبية مدعومة أكاديميًا) تُزوّد المجتمع الدولي بتقييمات أخلاقية مُعلِّلة لأثر القرارات الكبرى على الحياة والكرامة.
بهذا المعنى، تُصبح العدالة الديكولونيالية ليس فقط نقدًا للبنية القانونية القائمة، بل مسارًا لإعادة تأسيس القانون كـ«أفق مقاومة» ضد الهيمنة الناعمة، يَستبدل مركزية «الأمن» بمركزية «الكرامة»، ويحوّل معيار الضرورة من ذريعة للتعليق إلى امتحان أخلاقي صارم لا يُمرَّر إلا إذا حافظ على حياة الأضعف وصان حقوقهم الأساسية. وإذا كان القانون الدولي قد أثبت قدرته على استيعاب القوة وتطبيعها، فإنّ تحريره يبدأ بإعادة توزيع سلطة التأويل وتقييد أدوات الاستثناء ومنح أصوات الجنوب موقعًا تأسيسيًا في صناعة القاعدة ذاتها. عندها فقط يمكن للحالة الفنزويلية أن تتحوّل من «مرآة للاستثناء» إلى مختبرٍ للعدالة، حيث يُقاس نجاح القانون لا بقدرته على إدارة الأزمات، بل بقدرته على حماية الحياة والكرامة والمساواة في قلب الأزمات.
بقلم: نوفل حنفى
انتهى