الذي يقدر بنحو 14.6 مليار دينار - بزيادة تقارب الثلث مقارنة بسنة الجارية- مما يدفع بمؤشرات حاجيات التمويل والخزينة التي تصل إلى 28.1 مليار دينار، الى الزاوية لتغيب عن النقاش. هذه الحاجيات التي تتضمن العجز وأقساط الدين، هي من تكشف عن حجم الضغوط المالية التي تواجهها الدولة.
ميزانية تعتمد على الضرائب والاقتراض من السوق الداخلية وهو ما تظهره الارقام التي تكشف عن حجم الاختلال في الميزانية. 54.280 مليار دينار من المداخيل مقابل 68.895 مليار دينار من النفقات، أي بعجز قدره 14.615 مليار دينار. وتبلغ المداخيل الجبائية 49.6 مليار دينار، أي نحو 91.4% من مجموع المداخيل. أما الاقتراض، فيبلغ 28.122 مليار دينار، منها 19.845 مليار دينار من السوق الداخلية و6.877 مليار دينار من الخارج. ويُقدَّر سداد أصل الدين الداخلي بـ6.823 مليار دينار، مقابل 6.484 مليار دينار بالنسبة إلى الدين الخارجي.
ويمثّل التمويل الداخلي 75.5% من إجمالي الاقتراض سنة 2027، مقابل 74.8% سنة 2026. كما يستأثر بمبلغ 989 مليون دينار من الزيادة الجملية في الاقتراض، المقدّرة بـ1.058 مليار دينار. وهذا يعني أن الجزء الأكبر من الزيادة في التمويل سيأتي من السوق الداخلية. فحاجيات التمويل لا تقتصر على تغطية العجز، بل تشمل أيضًا سداد أصل الدين وعمليات أخرى تتعلق بالخزينة.
ولتغطية هذه الحاجيات، تعتزم الدولة، خصوصًا، الحصول على تمويل بقيمة 9.8 مليارات دينار من البنك المركزي التونسي، دون فوائد، على أن يُسدَّد على مدى 15 سنة. وتُعتمد هذه الآلية للسنة الرابعة على التوالي. وكان الإطار القانوني لسنة 2016 يهدف إلى ضمان استقلالية البنك المركزي. لكن الآلية التي استُحدثت في البداية بصفة استثنائية قد تتحوّل إلى وسيلة تمويل عادية للدولة.
ولا يعني اللجوء إلى هذا التمويل، في حد ذاته، أن التضخم سيرتفع أو أن تمويل القطاع الخاص سيتراجع، لكنه يزيد من مخاطر الضغوط النقدية ويجعل إدارة السيولة أكثر صعوبة.
هامش المناورة يتقلّص تحدّ خدمة الدين وكتلة الأجور ونفقات الدعم من قدرة الدولة على التحرّك. ويبلغ عدد العاملين في القطاع العمومي 692,702 عون. وتزداد هذه القيود مع اعتماد فرضيات نمو حذرة؛ إذ تتوقع الميزانية نموًا بنسبة 3.1% سنة 2027، مقابل 2.7% سنة 2026، في حين تستهدف خطة التنمية 2026-2030 تحقيق معدل نمو سنوي متوسط قدره 4.2%. ومع ضرورة توخّي الحذر عند مقارنة هذه الأرقام بالتوقعات الدولية، فإن فرضية النمو المعتمدة في الميزانية تظل دون الهدف المعلن في الخطة.
كما يمكن أن تتأثر هذه التوقعات بتطور الأوضاع في قطاعات المناجم والصناعات الكيميائية والطاقة. فأي تراجع في نمو المداخيل أو ارتفاع في نفقات الدعم سيؤدي إلى زيادة حاجيات التمويل خلال السنة. وبذلك، تدخل الدولة سنة 2027 بهامش محدود لمواجهة أي طارئ مالي.
الاستثمار العمومي أول ضحايا الضغوط المالية ترصد خطة التنمية 2026-2030 استثمارات بقيمة 101.835 مليار دينار، منها 61.847 مليار دينار استثمارات للدولة، أي بمعدل سنوي يبلغ نحو 12.37 مليار دينار. لكن اعتمادات الاستثمار لسنة 2026 لا تتجاوز 6.463 مليارات دينار، أي ما يزيد قليلًا على نصف هذا المعدل. أما ما تم إنجازه خلال النصف الأول من السنة، فلم يتجاوز 1.665 مليار دينار، أي 25.8% من الاعتمادات السنوية.
وتقتضي المقارنة بين هذه الأرقام الحذر، لأن الخطة تقوم على معدل متوسط لخمس سنوات، في حين تتعلق الميزانية بسنة واحدة. لكنها تطرح سؤالًا أساسيًا: كيف ستوفّر الميزانية السنوية التمويل اللازم لتحقيق الأهداف الاستثمارية للخطة؟
ويستهدف مشروع الميزانية أن تبلغ الاستثمارات 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن الإيرادات، عندما تستوعبها النفقات الجارية وخدمة الدين، تجعل الاستثمار العمومي عرضة للتقليص كلما اشتد الضغط على المالية العمومية. وهكذا يصبح الاستثمار أداة للتعديل ومصدرًا لتغطية الاختلالات، بدل أن يكون رافعة أساسية لتطوير الإنتاج وتحويل الاقتصاد. لذلك، تحتاج تونس، قبل تحمّل أعباء إضافية، إلى التمييز بوضوح بين الالتزامات المعلنة والموارد المتاحة فعلًا، وإلى توضيح كيفية تمويل خطة التنمية سنة بعد سنة. كما تحتاج إلى تحديد موعد واضح لإنهاء العمل بآلية التمويل النقدي التي كان يفترض أن تظل استثنائية.
ومن دون ذلك، ستظل ميزانية 2027 منشغلة بتغطية الضغوط المالية القائمة، من دون أن توفّر ما يكفي من الموارد للاستثمار والاستعداد للمستقبل.
بقلم: شكيب بن مصطفى