في انتظار إصلاح لم يأت بعد: المدرسة وحتمية الابتكار

يعود اليوم أكثر من مليوني ومائة ألف تلميذ (ة) لمقاعد

الدراسة تحدو جلهم فرحة لقاء الأصدقاء والمربين وتتنازع مشاعر الأمل والخوف قلوب وعقول  أوليائهم.. الأمل في نجاح باهر يمهد الطريق لمستقبل قد يكون زاهرا والخوف من مطبات الطريق - وما أكثرها -  وانسداد الأفق.

يتغيّر العالم بسرعة من حولنا ولكن النجاح المدرسي يبقى هدف للغالبية الساحقة من البشر..

في الأصل لا وجود لأي فرق بين صبي (ة) تونسي (ة) أو ياباني (ة) أو أمريكي (ة) أو نيجيري (ة).. قد  تختلف المؤهلات الطبيعية بين فرد وآخر فقط لا غير.. ولكن عندما يتحوّل الصبي (ة) إلى تلميذ (ة) هنا توجد الفوارق وتتسع وتتعمق إذ على عكس المساواة بين الأفراد هنالك تفاوتات جمّة بين المنظومات التربوية.. تفاوتات تحد من طموحات جزء من البشرية وترفع من الامكانيات والمتاحات أمام جزء آخر..

الاقرار بضعف أداء المنظومة التربوية التونسية ليس من باب جلد الذات بل هو توصيف لواقع برهنت عليه كل المقارنات الدولية التي شاركنا فيها (TIMSS وPISA وغيرها) ثم انقطعنا عنها منذ أكثر من عقد ظنا عند من اتخذ هذا وعند من اختار أن يواصل فيه أن كسر ميزان الحرارة كفيل بمعالجة المرض..

لقد أقدمت تونس على أول إصلاح عميق لمنظومتها التعليمية المتوارثة من الاستعمار سنة 1958 مع  محمود المسعدي ثم قامت بإصلاح ثان سنة 1990 مع محمد الشرفي ثم اصلاحا ثالثا سنة 2002 تحت مسمى «مدرسة الغد» ومحاولات عدة للإصلاح بعد الثورة بقيت كلها دون الحبر على الورق: ورغم هذا ما فتئت منظومتنا التربوية في تراجع مستمر.. تراجع تخفيه عن أعيننا النجاحات الباهرة لنخبة النخبة من تلاميذنا بينما المطلوب هو نجاح المنظومة والغالبية الساحقة من  بناتها وأبنائها..

ثمة أشياء عدة تفسر هذا الاخفاق الجماعي لعلّ من أهمها أمور ثلاثة:

  • الايمان بأن مدرسة الستينات والسبعينات كانت مثالية فأضحينا نلهث وراء عصر نخاله ذهبيا وغفلنا بالتالي عن عناصر الضعف الموجودة في مدرسة الدولة الوطنية منذ بدايات الاستقلال..
  • تخلي الدولة منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي على خلق التميّز كأفق ممكن للجميع ببعث المعاهد النموذجية وبتحميل العائلة أساسا إمكانية التألق لبناتها وأبنائها..
  • اللهاث الجماعي المحموم وراء المعدلات المرتفعة بصفة اصطناعية في غالب الأحيان والاعتماد شبه الكلي على الدروس الخصوصية منذ السنوات الأولى للابتدائي دون أن نتساءل عن جودة كل هذه التعلمات وعن القيمة الحقيقية لمكتسبات التلاميذ وعن حسن استيعابهم لهذا الكم الهائل من المعلومات.

الغريب في الأمر أننا نعلم جميعا ما يراد من مخرجات المدرسة التونسية: إنسان مستقل الارادة يمتلك الحدّ الأدنى المعقول من التفكير النقدي وملم بالمعارف التي تلقاها وبفلسفتها وبثقافتها وله من الكفايات ومن المهارات ما يسمح له بالتأقلم مع متغيرات الحياة وأن يكون قادرا على توظيف كل معارفه لايجاد الحلول المفيدة مهنيا واجتماعيا.. وأن يكون مع ذلك إنسان متوازن نفسيا واثق من نفسه ومهتم بما يجري داخل مجتمعه..

هنالك ولا شك تلاميذ بهذه المواصفات ولكن المدرسة التونسية لا تنتج هؤلاء التلاميذ بالقدر المطلوب..

هل نبقى في انتظار إصلاح قد يأتي وقد لا يأت؟ وهل نبقى في انتظار إصلاح قد يكون سخيا في مبادئه وجميلا في شعاراته ولكنه لن يغيّر من هذا الوضع شيئا يذكر نظرا للثقل البيرقراطي لهذه الآلة الضخمة خاصة إذا كان الإصلاح مملى من فوق ولم ينبع من قناعة عميقة من نساء ورجال الميدان..

ما العمل إذن؟

ينبغي أن نغيّر تماما زاوية النظر وأن نتخلى عن هذه المركزة المفرطة عند الإدارة التونسية.

 

ماذا لو سمحنا للفاعلين على الميدان من مربين ومديرين وأولياء ونشطاء المجتمع المدني المحلي من هوامش كبيرة للتحرك وللابتكار؟ ابتكار في الطرق البيداغوجية.. ابتكار في المناهج التعليمية.. ابتكار في تنشيط القسم.. ابتكار في انفتاح الاختصاصات على بعضها البعض كالفلسفة والرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية في بعض الدروس..ابتكار بتشريك الأولياء.. ابتكار بالسماح بشراكات جدية مع نشطاء المجتمع المدني.. ابتكار في وسائل التقييم.. ادخال طرق جديدة لتعلم بعض المواد كطريقة سنغافورة في تدريس الرياضيات مثلا..

عندما ننظر إلى واقع الممارسة التربوية نرى أن هذه الابتكارات موجودة بالفعل..

لقد نظم المعهد العربي لحقوق الإنسان بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان مكتب تونس في جويلة الفارط ندوة بعنوان «الابتكار ومستقبل التعليم في تونس» وقد كان من نقاط قوتها الأساسية عرض جملة من الابتكارات الميدانية بادر بها مربون أو نشطاء في المجتمع المدني وسمحت بها بعض المدارس.. تجارب مذهلة بالفعل ونابعة من أفكار عميقة غيّرت ملامح العملية التربوية وجذبت إليها التلاميذ والأولياء على حدّ سواء..

أين يكمن الاشكال؟ نحن كالعادة أمام اجتهادات فردية لا يتعدى اشعاعها الحدود الجغرافية الضيقة لأصحابها مع بقائها هشة لأنها مرتهنة دوما برغبة إدارة من الإدارات..

صحيح أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على الابتكارات الفردية المحدودة ولكن التعامل المرن معها والسماح بتكاثرها والانفتاح عليها ثم تقييمها وتعميم ما ثبت اضافته على بقية المدارس والمناطق..

إن أول خطوات الإصلاح هو التخلص من وهم أن الحلّ في المركز عند «أصحاب القرار» فالمدرسة كائن حي ضخم الجثة يتكون من خلايا عدة، وكل هذه الخلايا بحاجة إلى الحركة والتجدد والتغيير والتنافس أيضا والخروج من المعتاد والمألوف..

كالعادة سيخشى بعضهم «الانفلات» وخروج الأمر «عن السيطرة» مؤبدين بذلك الروتين المعتاد..

في انتظار إصلاح لم يأت بعد لنترك ألف زهرة تينع ولنثق في المربين والتلاميذ والأولياء والنشطاء عسانا نخرج من طاحونة الشيء المعتاد.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115