بين إحياء "عقيدة مونرو" وترسيخ الهيمنة الأمريكية التداعيات الجيوسياسة لسياسات ترامب

أثارت الخريطة الرقمية التي نشرها الرئيس الأمريكي

دونالد ترامب على منصته "تروث سوشيال" موجة عارمة من الجدل والانتقادات الدولية، بعد أن ظهرت فيها مساحات شاسعة من أمريكا الشمالية والكاريبي- بما فيها كندا والمكسيك وغرينلاند-مغطاة بنقوش العلم الأمريكي وتحمل عبارة "الولايات المتحدة الأمريكية". وبغض النظر عن خلفية هذا المنشور ودلالاته ، فإن تتبع السياق التصاعدي لتصريحات ترامب وممارساته يكشف عن تحول جيوسياسي جذري يجسد فصلا جديدا من النزعة التوسعية الأمريكية العابرة للحدود.

ولا يمكن قراءة خريطة "تروث سوشيال" بمعزل عن سوابق ترامب التي لطالما استهدفت الجغرافيا الإقليمية المجاورة واستنساخ مفاهيم الضم والسيطرة. فقد بدأت هذه النبرة تتبلور علنا منذ محاولاته السابقة المتكررة لدعوة واشنطن إلى "السيطرة على غرينلاند"، مرورا بقراراته التنفيذية الرامية إلى تغيير أسماء معالم جغرافية كبرى مثل محاولة فرض اسم "خليج أمريكا" بدلا من خليج المكسيك  في جانفي 2025، وصولا إلى مقترحه المثير للجدل بتغيير اسم ولاية نيو مكسيكو إلى "نيو أمريكا". هذا التراكم في الخطاب يوضح أن ترامب يتعمد إعادة هندسة الوعي الجغرافي لدى  الأمريكيين، مكرسا منطقا يعتبر فيه السيادة الوطنية للدول المجاورة مجرد تفاصيل قابلة للتعديل الرقمي أو الإملاء القسري.

يتأصل هذا السلوك في مرجعية فكرية وعقائدية عميقة سلطت الضوء عليها الدراسة الأكاديمية البارزة التي نشرتها الباحثة وو هونغينغ Wu  Hongying   في دورية شؤون دولية الصادرة مؤخرا تحت عنوان "عقيدة مونرو الجديدة لدونالد ترامب: الخصائص والتداعيات". وتوضح هذه الدراسة أن الإدارة الأمريكية أضفت طابعا رسميا على هذه التوجهات ضمن استراتيجية الأمن القومي، حيث أُطلق عليها صراحة "عقيدة مونرو الجديدة" أو "تعديل ترامب The Trump Corollary ."

 وتعيد هذه العقيدة إحياء المبدأ التاريخي الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823 وكان ينص على أن القارة الأمريكية وأوروبا هما مجالا نفوذ منفصلان تماما، وأن القارتين الأمريكيتين مخصصتان للأمريكيين حصريا، بهدف منع أي تدخل أو استعمار أوروبي في النصف الغربي للكرة الأرضية.

وقد تحول المبدأ تدريجيا من مجرد إعلان دفاعي ضد القوى الاستعمارية الأوروبية إلى أداة تدخل نشطة في الشؤون الداخلية لدول أمريكا اللاتينية مثل "تعديل روزفلت" عام 1904 الذي جعل الولايات المتحدة بمثابة "شرطي العالم" في المنطقة.

لقد أعادت سياسات ترامب احياء هذا المبدأ وتطويره بشكل راديكالي وذلك عبر استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في نوفمبر 2025، ليصبح أداة هجومية في عهد دونالد ترامب، تهدف إلى تكريس الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة كمنطقة مصالح أساسية، واستبعاد أي قوى غير إقليمية كالصين وروسيا من نصف الكرة الغربي .  وبغض النظر عن سيادة الدول ، تم تطوير هذه العقيدة بشكل راديكالي لتقوم على مبدأ مطلق وهو جعل نصف الكرة الغربي - والتي تضم  قارتي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بالكامل وأجزاء غربية من قارة إفريقيا وأوروبا، وأجزاء من القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، بالإضافة إلى أجزاء من قارة آسيا وأوقيانوسيا – منطقة مصالح أساسية وخاصة بالولايات المتحدة وحدها، متخلية بالكامل عن الدبلوماسية التقليدية الأمريكية والتي كانت ترفع شعارات نشر الديمقراطية وراء تدخلاتها الخارجية ، لتتبنى نهجا براغماتيا متوحشا يخدم شعار "أمريكا أولا" .

اذ  قسّم هذا التعديل نصف الكرة الغربي إلى محورين صارمين يعتمدان على سياسة "الإكراه أو الاحتواء"، محولا الجغرافيا المجاورة لواشنطن من فضاء للتعاون الدبلوماسي إلى منطقة مصالح حصرية تخضع لمنطق الضغط والسيطرة المطلقة .

وتحولت هذه الأطر الفكرية والعقائدية تدريجيا إلى واقع ميداني صلب، وتتجسد أحدث محطاتها في الجولة التي بدأها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وتشمل كولومبيا والإكوادور والبيرو. وتأتي هذه الجولة الرفيعة المستوى لدعم قادة اليمين الجدد الموالين لواشنطن -مثل الرئيس الكولومبي الجديد ورئيسة البيرو، بالتزامن مع إبرام اتفاقات في قطاع النفط والطاقة مثيرة للجدل تمنح واشنطن السيطرة على جزء كبير من احتياطيات النفط الفنزويلية. كما تسعى الإدارة الأمريكية عبر أدوات مثل تحالف "درع الأمريكيتين" والذي كان قد أطلقه الرئيس ترامب في  مارس الماضي خلال قمة عقدها في ميامي بفلوريدا، بمشاركة قادة وممثلين عن نحو 12 دولة من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ، علاوة على الحملات العسكرية المشتركة ضد شبكات تهريب المخدرات، إلى إحكام السيطرة الأمنية وتطويع اقتصادات المنطقة لخدمة الهيمنة الاستراتيجية المطلقة.

تترجم هذه الاستراتيجية أهدافها -كما تحللها دراسة الباحثة وو هونغينغ وتؤكدها جولة روبيو الحالية- عبر الهيمنة الامريكية المطلقة، وإقصاء القوى العظمى المنافسة كالصين وروسيا، واستخدام الإكراه الاقتصادي والعسكري. وقد قوبلت هذه السياسات التوسعية بردود فعل رافضة وحاسمة، أبرزها موقف الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم التي أكدت بوضوح أن بلادها "ليست ولن تكون مستعمرة أو محمية لأي دولة".

من جهة أخرى ، تؤدي سياسات دونالد ترامب القائمة على فرض الرسوم الجمركية إلى إضعاف الهيمنة الجيوسياسية للولايات المتحدة وتفكيك النظام الدولي القائم. على فعلى الصعيد الاقتصادي، أدى التصعيد التجاري غير المسبوق مع الصين إلى فرض رسوم جمركية عالية وصلت إلى 60 بالمئة على البضائع الصينية وتحول الصراع إلى حرب تكنولوجيا شاملة على الرقائق الإلكترونية، بالتزامن مع اضطراب سلاسل التوريد العالمية جراء الضغط على الشركات للعودة إلى السوق الأمريكية .

وامتد  هذا التصدع ليشمل الحلفاء الأوروبيين، إذ أثارت أزمات الصلب والألومنيوم والرسوم المتبادلة ردود فعل غاضبة من الاتحاد الأوروبي، ودفعت فرنسا للمطالبة بجيش أوروبي مستقل ودفاع مشترك يعزل القارة عن التبعية المطلقة لواشنطن .  ووسط هذه السياسات المتقلبة، تراجعت الثقة الدولية بمكانة أمريكا ، مترافقة مع تحذيرات أممية صارخة من تداعيات هذه القرارات الأحادية على الاقتصادات النامية والأسواق الناشئة.

ولا تقتصر هذه العقيدة الصدامية على الفناء الخلفي لواشنطن في القارة الأمريكية فحسب، بل تنسحب بالضرورة على سياسات ترامب في الشرق الأوسط وباقي مناطق النزاع العالمية، حيث تترجم عقيدة "أمريكا أولا" عبر دبلوماسية الواقعية العسكرية والتلويح الدائم بورقة "الحديد والنار" فيما يتعلق بالملف الإيراني ومضيق هرمز. اذ يتجاهل ترامب في سياساته وحروبه التي يديرها ، سيادة الدول وحقوق الشعوب التاريخية لصالح فرض حلول أحادية تخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية المطلقة.

ومن شأن هذه السياسات الترامبية بكل ما تحمله من هواجس وتحديات وتهديدات إقليمية ودولية ، أن تُعمّق أزمات المنطقة والعالم  لتدفع الجنوب العالمي ،نحو مطالبات أشد صلابة بالاستقلال الاستراتيجي  وتبني خيارات اقتصادية وسياسية متعددة الأقطاب وذلك في مواجهة هذه "الإمبريالية المعاصرة ".

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115