المهنة حزينة

يقبع اليوم داخل السجون التونسية أربعة صحافيين

صدرت ضدّ ثلاثة منهم أحكام قضائية وهم مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني والرابع، محمد اليوسفي، هو اليوم محتفظ به في انتظار مآلات التحقيق..

وقبل هؤلاء سجن كل من صالح عطية وعامر عياد ومحمد بوغلاب وخليفة القاسمي وشذى الحاج مبارك ونور الدين بوطار وحكم غيابيا على هيثم المكي وخولة بوكريم وحصلت تتبعات قضائية ضدّ عدد من الصحافيات والصحافيين دون ايقافهم أو إيداعهم بالسجن.. ولعلنا نكون قد سهونا عن بعض الأسماء ولكن بغض النظر عن الأسباب والمسببات وطبيعة التهم وما قيل وما يقال عن احترام الاجراءات وقرينة البراءة والانصاف في التحقيق كل هذا يجعل مهنتنا في حالة حزن عميق..

الصحفي (ة) ولا شك، مواطن (ة) كسائر المواطنين والمواطنات ولا يتمتع بحصانة ما، وهو لم يطالب يوما واحدا بحصانة ما.. لقد طالبت المهنة ومازالت فقط بتطبيق القوانين التي تنظمها وتردع تجاوزات المخالفين ونقصد بها تحديدا المرسوم 115 و 116 لسنة 2011 والذين مازالا ساريي المفعول ولم يتم تنقيحهما - فيما نعلم - بقانون لاحق..

بالنسبة للكثيرين مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني ومحمد اليوسفي والأسماء التي ذكرنا ولم نذكر هم صحفيون مشهورون قد يعجبهم البعض وقد يستهجنون البعض الآخر وهم مشهورون لأن جلهم يشتغل بالاعلام السمعي البصري أو يشارك فيه بصفة أو بأخرى..

ولكن بالنسبة لنا نحن أهل مهنة الصحافة فنحن نتحدث عن زملاء تربطنا ببعضهم صداقات تمتد إلى عقود وقد خبرناهم في السراء والضراء وحين البأس ونعلم معدنهم ومواقفهم قد نتفق مع بعضها وقد نختلف ولكن لا يجوز لنا الصمت اليوم ونحن نرى زملاء من أجيال ومواقع مختلفة وراء القضبان..

ولعله من مكر الدهر أن يكون هؤلاء الأربعة - على اختلاف تموقعاتهم السابقة واللاحقة - من الصحفيين المثقفين الواسعي الاطلاع لا فقط على قواعد المهنة وتقنياتها بل كلهم منفتحون على عوالم الفكر والأدب وعلوم الإنسان والمجتمع وكل من تابعهم يلحظ حجم الإلمام وعمق التناول والابتعاد الكلي عن السهولة والابتذال..

لا نريد أن نعلق على كل ما حفّ بهذه الحالات منذ الإيقاف إلى إصدار الأحكام ولا نريد أن ننتصب محكمة بديلة عن القضاء ومؤسساته ولكن أن يقبع هذا العدد من وجوه المهنة وراء القضبان هو أمر لا يمكن أن يسعد أحد ولا نخاله أيضا في مصلحة أحد..

لعل الكثيرين من التونسيين قد كفروا بالثورة وبالديمقراطية وبالحرية لأنها لم تغيّر أوضاعهم المعيشية بل زادتها سوءا في نظرهم ولعل مخيال «المستبد العادل» الذي  نادى به محمد عبده منذ أكثر من قرن مازال هو الطاغي في ثقافتنا السياسية، ولعلّ انحرافات العشرية الأولى للانتقال الديمقراطي قد جعلت الكثيرين لا يقيمون أي وزن لكل هذه المبادئ والقيم..

ولكن الشعوب - ولاسيما الشباب - لا يمكنها أن تتنفس إلا حرية طال الدهر أم قصر.. وكم حلم من أطفالنا وشبابنا بأن يصبحوا يوما من أهل هذه المهنة بعد أن حررت الثورة العقول والقلوب والألسن وقد مثل هؤلا المسجونين اليوم، وغيرهم كذلك نماذج محببة لمن راموا الانخراط في مهنة المتاعب، فالصحفي الناجح ليس فقط هو الناقل الأمين للخبر بل هو أيضا القادر على تفكيكه وفهم أبعاده وخفاياه وإعطاء مفاتيح لفهم سياقات الأحداث، وزملاؤنا هؤلاء كانوا من هذا الصنف.. وهذا لا يعني أنهم أصابو في كل شيء وأنهم لم يخطئوا في تقدير بعض المواقف، ومن منّا لم يخطئ ومن منّا لم يفقد اتزانه أحيانا أمام هدير الأحداث وهيجانها من كان منّا  بلا خطيئة؟! بل أزعم أن هؤلاء الزملاء كانوا من أقل الناس أخطاء ومن أكثرهم نزاهة في تناول الشأن العام.. ليس اليوم فقط بل على امتداد تجاربهم المهنية والتي تعد بالعقود عند البعض..

ينتابنا الحزن جميعا ونحن نتأمل مستقبل البلاد ومستقبل المهنة.. فمن منا - كتونسيات وتونسيين -  جازف بسلوك الطرق الوعرة للاستقلالية والنزاهة والشجاعة؟ من من شبابنا مازال يحلم بالانتساب لمهنة قد تؤدي بهم إلى وراء القضبان؟

كم أصبحنا نستسهل إيداع الناس في السجن في بلادنا والحال أن القاعدة - حتى لذوي الشبهة - هي الحرية أولا والسجن فقط لمن ثبتت عليه جريمة..  إثر تحقيق يفحص حجج الادانة والبراءة ومحاكمة عادلة تتوفر فيها كل شروط الدفاع عن المتهم..

المهنة حزينة اليوم لا فقط على أبنائها ولكن على بلادها التي باتت تفقد زهرات الأمل.. الواحدة بعد الأخرى..

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115