الشعبية المحلية أو الجهوية بمطالب مختلفة، أفضت أحيانًا إلى مواجهات بين الشارع الغاضب والأجهزة الأمنية، قبل أن يعود الهدوء النسبي ويختفي التوتر والاحتقان تحت طبقات هشة من الاستقرار، في انتظار متى وأين سيكون الاحتجاج القادم.
وهذه المرة كان الاحتجاج في بن قردان، التي تحرك أهاليها نهاية الأسبوع الفارط على خلفية وفاة عدد من أبناء الجهة إثر غرق مركب للهجرة غير النظامية، وما رافق ذلك من غضب شعبي قاد إلى تحركات طالبت في البداية بتكثيف البحث عن المفقودين، وانتهت إلى مساءلة الدولة عن التنمية والشغل لأبناء المدينة الحدودية. وهنا تبدأ المعادلة السياسية، على وقع الفاجعة ومصاب بن قردان، لأن ما يبدو في الظاهر احتجاجًا محليًا على حادثة محددة، هو أكثر دلالة من ذلك.
اذ تأتي في سياق تتكرر فيه التحركات الاجتماعية في جهات مختلفة، وترفع مطالب متنوعة، من عودة الماء والكهرباء وتوفير التنمية والشغل، إلى خدمات الصحة والنقل، بينما يبدو المشهد العام هادئًا. حيث سجل شهر جويلية الماضي وحده أعلى عدد تحركات احتجاجية للشهر نفسه خلال السنوات الـ11 الأخيرة، ليتجاوز 1100 تحرك، كان ملف المياه والكهرباء في صدارة المحركات التي دفعت الناس إلى الشارع.
وهذا يعني أننا لسنا أمام مجتمع هادئ بالمعنى الاجتماعي، ولا أمام مشهد عام مستقر، بل نحن إزاء غضب واضح ومطالب متزايدة تقود عدة مناطق في البلاد إلى التحرك بصورة متكررة، وان كانت ليست جزءا من حركة اجتماعية واحدة، حتى وإن حملت جميعها شعورا مشتركا بأن الدولة لا تستجيب بالسرعة أو بالحجم الكافيين لمشاغل المواطنين ومطالبهم.
هذه هي المفارقة اليوم في المشهد التونسي، احتقان وغضب واحتجاج موجود، لكن الفاعلين السياسيين، سواء من السلطة أو خصومها، لا أحد يلتقطه أو ينتبه إليه بما يكفي، ولا إلى أن هناك قطيعة تتسع بين مجتمع يتحرك ويحتج في اتجاه، وطبقة سياسية تتحرك إلى الآن في اتجاه آخر.
وهو ما يطرح سؤالًا سياسيا الطرفان كل من موقعه وحسابته معنيان بالاجابة عنه وهو لماذا لم يؤدِّ هذا الاحتقان الاجتماعي إلى تعبئة سياسية الي اليوم؟
ذلك أن ما يحدث في تونس خلال 2026 هو انتشار لمطالب اجتماعية متفرقة، لا إطار جامع لها ولا مطلب سياسي واضح بالمعنى التقليدي. فالتحركات المحلية والجهوية لا ترفع، إلى حد الآن، مطلب تغيير السلطة أو مساءلتها بالمعنى السياسي المباشر، بل تريد ماءً، وطريقًا، وكهرباء، ومستشفى، ونقلًا، أو حلا لأزمة بيئية، أو تنفيذ تعهد سابق.
واقع يجعل الشارع التونسي أقرب إلى بؤر احتجاجية متعددة لا رابط واضح بينها، سوء ان القائمين عليها يتجنبون «تسييس» التحرك خشية من الوصم او رد فعل السلطة التي لا تخفى معاداتها للأجسام الوسيطة التي تعاني اليوم أزمات عدة جعلت منها ومن الفعل السياسي أقل قدرة على استيعاب المطالب المعيشية للمجتمع، وهو ما يغذي الإحباط أكثر.
هذا الإحباط السياسي الذي يشق المجتمع التونسي ويعبر عن نفسه في تعدد الاحتجاجات والتحركات المطالبة بعائد مباشر، تقابلها حالة عزوف عن الانخراط في تحرك احتجاجي سياسي أو وطني، وهو ما يشرح جزء من حالة الهدوء الظاهرة في المشهد العام، التي قد تخده السلطة وترسخ لها انطباع بأنها في مأمن، طالما أن الشارع يحتج وينفس عن غضبه في إطار مكاني وزماني ضيق.
فتغفل عن أن الاحتقان اليوم في الجهات، وإن لم يكن متمركزا ولم ينتقل الى المدن الكبرى والعاصمة، فان ذلك لا يعني أنه غير قابل للانتقال أو التمدد اليها. فإن كانت الاحتجاجات اليوم محلية قابلة للاحتواء فإن حقيقة أن تكرارها لذات الأسباب وإن في مناطق مختلفة قد ينتج بمرور الوقت تقاطها بينها يحول دون احتوائها وينتقل بها من المحلي الى الوطني.
فالصورة الكبيرة اليوم هي اننا امام مشهد محتقن اجتماعيا وان كان منخفض التعبئة سياسية ومجزأ احتجاجيا. فان هذا المشهد لا يعني أن الوضع مستقر وقابل للاستمرار إلى ما لا نهاية، اذ ان حادثة واحدة او قضية مشتركة يمكنها ان تعيد تسييس المجتمع، وان من خارج الأطر السياسية التقليدية، وبذات مطالب التي يمكن ان تتطور لسؤال وحيد وهو لماذا باتت الدولة تتخلى عن واجباتها.
هذا ما يجب ان تتم مراقبته في المشهد السياسي خلال الأشهر المقبلة، فطرح هذا السؤال هو ما سيحدد اتجاه المشهد العام وهل ينتقل الاحتجاج من خانة التنفيس الاجتماعي إلى الفعل السياسي؟