أي اصلاح تربوي ننتظر؟

تزامن موكب الاحتفال بيوم العلم، الذي يتم خلاله

كل سنة تكريم المتفوّقين والمتميّزين في قطاع التربية والتعليم والبحث العلمي، مع الجلسة الافتتاحية للمجلس الأعلى للتربية والتعليم واقتراب العودة المدرسية لأكثر من مليوني تلميذ وتلميذة. وهذه المواعيد، على أهميتها لدى العائلات التونسية، تطرح سؤالا أساسيا: أي إصلاح تربوي ننتظر؟

هل نريد مسارا أكاديميا ينتهي بإنتاج مجرد شهادة معلّقة بلا عمل، وأزمة اجتماعية حقيقية يعاني منها اليوم 26.6 بالمائة من أصحاب الشهائد العليا؟ أم نريد مدرسة قادرة على خلق المستقبل للجيل القادم؟
 
بعد مختلف محطات الإصلاح التربوي، من إصلاح 1958 إلى إصلاح 1989 المتوّج بقانون 1991، ثم إصلاح 2002، لم نتمكن بعد من معالجة عدد من الاختلالات الأساسية. فما تزال الأمية قائمة، وقد بلغ معدلها 17.3 بالمائة لدى الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 10 سنوات فما فوق، وفق نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
 
كما تشكو المدرسة التونسية من ارتفاع نسبة الانقطاع المدرسي. فقد تضمن المشروع السنوي للقدرة على الأداء لوزارة التربية لسنة 2025 هدف بلوغ نسبة 8 بالمائة للانقطاع المدرسي في المرحلة الإعدادية والتعليم الثانوي. وفي المقابل، فإن عدد المتميزين في مختلف مراحل التعليم والمتخرجين لا يمكن أن يخفي حجم البطالة حتى لدى المتعلمين، كما لا يمكن أن يحجب نسب الرسوب في الامتحانات الوطنية، على غرار امتحان البكالوريا، الذي بلغت نسبة عدم النجاح فيه هذه السنة 49.28 بالمائة.
 
إذا أردنا تعليما عموميا ذا جدوى، فلا بد من الإنفاق عليه بما يستحق، وأن نجعل من تفوق الغالبية الساحقة من التلاميذ هدفا حقيقيا. والتفوق لا يعني النجاح في الامتحانات فقط، بل امتلاك المعارف والمهارات التي تمكّن التلميذ التونسي من منافسة أفضل التلاميذ في العالم، وتحسين مؤشرات التعليم وأداء المؤسسات التربوية على المستوى الدولي.
 
وهذا يقتضي تشخيصا سليما للواقع، ورسم أولويات جديدة وأهداف محددة، وفتح باب الحوار المجتمعي، ثم الانطلاق في التنفيذ دون إضاعة مزيد من الوقت، بعد تهيئة البنية التحتية وتوفير الإطار التربوي الجيد لكل التلاميذ.
 
ففي تجارب الدول التي تتصدر قوائم التعليم عالميا، على غرار فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وألمانيا، لا تقوم العملية التعليمية على الحفظ والتلقين، بل تستند إلى منظومات متكاملة تضع الإنسان والبحث العلمي ضمن أولوياتها. وتمنح هذه الدول مهنة التدريس مكانة اجتماعية ومهنية هامة، باعتبار أن المعلم المؤهل هو الركيزة الأساسية للعملية التعليمية والمسؤول عن نقل المعرفة والمهارات.
 
كما ترتكز المناهج على التحليل وحل المشكلات والابتكار، بدلا من الاقتصار على استرجاع المعلومات، وتخصص الحكومات استثمارات كبيرة للبنية التحتية والتجهيزات والتقنيات الحديثة، وتوفر تعليما عالي الجودة لجميع التلاميذ. وفي الوقت نفسه، تعمل على الربط بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل ومراكز البحث والابتكار.
 
هي دول جمعت بين الاستثمار في التعليم، وبنية تحتية قوية، ومعلمين مؤهلين، وسياسات تعليمية داعمة. كما بدأت تستعد مبكرا للتحديات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي يفرض اليوم أسئلة جديدة حول طرق التعليم والتعلم، ومحتوى المناهج، والمهارات التي يحتاجها الجيل القادم.
 
هذه التحديات والتجارب ليست جديدة على تونس. فقد تم تناولها في مناسبات عديدة منذ طرح مسألة الإصلاح التربوي، ومرورا بمختلف المحاولات والمحطات، ومنها الحوار المجتمعي لسنة 2015 و«الكتاب الأبيض»، سواء على مستوى النقابات أو الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارات المعنية بالإصلاح التربوي بعد الثورة.
 
لكن الأهم اليوم، وبعد انطلاق جلسات المجلس الأعلى للتربية والتعليم، هو امتلاك الإرادة السياسية الحقيقية ووضع منهجية واضحة للتنفيذ، وفتح حوار واسع يضم الخبراء والمعلمين والأولياء والأطراف الاجتماعية والسياسية، مع تحديد الأولويات والأهداف والآجال، حتى لا يبقى الإصلاح مجرد عنوان يتجدد مع كل مرحلة.
 
والأهم أيضا هو مراعاة «الزمن». ليس الزمن المدرسي فقط، وإنما الزمن الذي نخسره كل سنة في انتظار إصلاح مؤجل. فكل تأخير يعني جيلا جديدا يمر بالمنظومة نفسها، فيما تواصل بلدان أخرى الاستثمار في عقول أبنائها وتطوير مدارسها وجامعاتها وربطها بالاقتصاد والبحث العلمي.
 
تونس لا تفتقر إلى الأفكار ولا إلى التجارب السابقة، لكنها تحتاج اليوم إلى الانتقال من الحديث عن الإصلاح إلى تنفيذه، ومن تشخيص المشكلات إلى معالجة أسبابها، ومن تعدد المبادرات إلى مشروع واضح ومستمر.
 
فالدول التي تمتلك العلم اليوم تمتلك القرار والقوة غدا. وكلما تأخرنا في الاستثمار في العقل البشري، اتسعت الفجوة أكثر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115