التآكل‭ ‬المستمر‭ ‬لسوق‭ ‬الشغل

أصدر‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للإحصاء‭ ‬يوم‭ ‬15‭ ‬أوت‭ ‬الجاري‭ ‬

نشريته‭ ‬الفصلية‭ ‬حول‭ ‬‮«‬مؤشرات‭ ‬التشغيل‭ ‬والبطالة‭ ‬للثلاثي‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2026‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة‭ ‬قد‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬14,9٪‭ ‬وهي‭ ‬أدنى‭ ‬نسبة‭ ‬سجلت‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭.‬

هل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نفرح‭ ‬بهذا؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬هو‭ ‬الشجرة‭ ‬التي‭ ‬تخفي‭ ‬غابة‭ ‬التآكل‭ ‬المستمر‭ ‬لسوق‭ ‬الشغل‭ ‬في‭ ‬بلادنا؟

عالم‭ ‬الشغل‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الأساسي‭ ‬لفهم‭ ‬مدى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصاد‭ ‬بلد‭ ‬ما‭ ‬ونوعية‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬يؤسس‭ ‬لها‭ ‬ومكانة‭ ‬العمل‭ ‬معنويا‭ ‬وماديا‭ ‬فيه‭.‬

عالم‭ ‬الشغل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ورديا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لا‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬ولا‭ ‬بعدها‭ ‬ولكن‭ ‬الملاحظ‭ ‬هو‭ ‬التدهور‭ ‬النسبي‭ ‬الذي‭ ‬يزداد‭ ‬من‭ ‬سنة‭  ‬إلى‭ ‬أخرى‭.‬

قبل‭ ‬الثورة‭ ‬سجلت‭ ‬البطالة‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬سنة‭ ‬2006‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬العاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬430‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬بقليل‭ ‬ونسبة‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬12,5٪‭ ‬ولكن‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬تنج‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬الأزمة‭ ‬العالمية‭ ‬لسنة‭ ‬2008‭ ‬فارتفع‭ ‬عدد‭ ‬العاطلين‭ ‬سنة‭ ‬2010‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬492‭ ‬ألف‭ ‬بقليل‭ ‬ونسبة‭ ‬البطالة‭ ‬بلغت‭ ‬13٪،‭ ‬ولعل‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬النشاط‭ ‬كانت‭ ‬تقدر‭ ‬بـ‭ ‬46,9٪‭ ‬وبفوارق‭ ‬ضخمة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭: ‬69,9٪‭ ‬للرجال‭ ‬مقابل‭ ‬24,8٪‭ ‬فقط‭ ‬للنساء‭.‬

نجد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬في‭ ‬الوثيقة‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬أصدرها‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للاحصاء‭ ‬في‭ ‬جوان‭ ‬2011‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬المسح‭ ‬الوطني‭ ‬حول‭ ‬السكان‭ ‬والتشغيل‭ ‬لسنة‭ ‬2010‮»‬‭ ‬وللأسف‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ - ‬بعد‭ - ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬معطيات‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الهش‭ ‬في‭ ‬تونس‭.‬

تحدثنا‭ ‬آنفا‭ ‬عن‭ ‬نسبة‭ ‬النشاط‭ ‬سنة‭ ‬2010‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬46,9٪،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الثلاثي‭ ‬الثاني‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬44,7٪‭.‬

نسبة‭ ‬النشاط‭ ‬هي‭ ‬أحد‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأساسية‭ ‬لعالم‭ ‬الشغل‭ ‬وأهميتها‭ ‬تفوق‭ ‬كثيرا‭ ‬نسبة‭ ‬البطالة‭ ‬لأنها‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬نسبة‭ ‬المعنيين‭ ‬بعالم‭ ‬الشغل‭ (‬من‭ ‬مشتغلين‭ ‬ومن‭ ‬طالبي‭ ‬الشغل‭) ‬بالنسبة‭ ‬للعدد‭ ‬الاجمالي‭ ‬للسكان‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الشغل‭ (‬عموما‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و‭ ‬64‭ ‬سنة‭).‬

وفق‭ ‬احصائيات‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬والتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ (‬OCDE‭) ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬النشاط‭ ‬هي‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬ازلندا‭ ‬بـ‭ ‬84,7٪‭ ‬وهي‭ ‬تتجاوز‭ ‬80٪‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هولندا‭ ‬واليابان‭ ‬أما‭ ‬المعدل‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المنظمة‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬74٪‭.‬

في‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬90٪‭ ‬وهي‭ ‬تفوق‭ ‬50٪‭ ‬في‭ ‬جلّ‭ ‬الدول‭ ‬الافريقية‭ ‬ولكنها‭ ‬هي‭ ‬الأضعف‭ ‬في‭ ‬الغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬والسبب‭ ‬معروف‭ ‬هنا‭ ‬لأن‭ ‬نسبة‭ ‬نشاط‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬ربوعنا‭ ‬هو‭ ‬الأضعف‭ ‬عالميا‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬نقارنه‭ ‬بالدول‭ ‬الاسلامية‭ ‬غير‭ ‬العربية‭.‬

غني‭ ‬عن‭ ‬القول‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ارتفاع‭ ‬لنسبة‭ ‬النشاط‭ ‬هو‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬خلق‭ ‬الثروة‭ ‬وفي‭ ‬تراجع‭ ‬الفقر‭ ‬والارتفاع‭ ‬العام‭ ‬لمستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتطوير‭ ‬آلات‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬ويضفي‭ ‬بذلك‭ ‬ديناميكية‭ ‬على‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وكلما‭ ‬تراجعت‭ ‬نسبة‭ ‬النشاط‭ ‬تراجعت‭ ‬معها‭ ‬كل‭ ‬مكونات‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬الايجابية‭.‬

ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬الشغل‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬تخضع‭ ‬لعدة‭ ‬عوامل‭ ‬موسمية‭ ‬اقتصادية‭ (‬مواسم‭ ‬الجني‭ ‬والسياحة‭..) ‬واجتماعية‭ (‬مواعيد‭ ‬التخرج‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬وفي‭ ‬التكوين‭ ‬المهني‭) ‬ولذا‭ ‬لا‭ ‬تصح‭ ‬فيها‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬فصول‭ ‬متباعدة‭ ‬والأولى‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يقارن‭ ‬كل‭ ‬فصل‭ ‬بنظيره‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬النشيطين‭ ‬قد‭ ‬تراجع‭ ‬بين‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬لهذه‭ ‬السنة‭ ‬بـ‭ ‬77,5‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬مقارنة‭ ‬التراجع‭ ‬بين‭ ‬الثلاثي‭ ‬الثاني‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬بنظيره‭ ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬لنرى‭ ‬أنها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬69‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬ولكن‭ ‬ثمة‭ ‬تراجعا‭ ‬أخطر‭ ‬وأكبر‭ ‬بكثير‭ ‬وهو‭ ‬الحاصل‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الثلاثي‭ ‬الرابع‭ ‬لسنة‭ ‬2024‭ ‬ونظيره لسنة 2025 إذنزلنا من 4532 ألف‭ ‬نسمة‭ ‬إلى‭ ‬4255‭ ‬ألف‭ ‬أي‭ ‬بخسارة‭ ‬تقد‭ ‬بـ‭ ‬277‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكل‭ ‬المؤشرات‭ ‬تفيد‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬نهاية‭ ‬سنة‭ ‬2024‭ ‬وهذه‭ ‬السنة‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحدود‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يتجاوزها‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الرقم‭ ‬الأخطر‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬

في‭ ‬ظرف‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬فقدنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬6٪‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬النشيطين‭ ‬وفقدنا‭ ‬أيضا‭ ‬174‭ ‬ألف‭ ‬موطن‭ ‬شغل‭ ‬ولكن‭ ‬الأخطر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬العدد‭ ‬لم‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬طالبي‭ ‬شغل‭ ‬بل‭ ‬‮«‬تبخر‮»‬‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬منه‭ ‬بفعل‭ ‬عنصرين‭ ‬أساسيين‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نرى‭:‬

‭- ‬الهجرة‭ ‬النظامية‭ ‬وشبه‭ ‬النظامية‭ ‬وغير‭ ‬النظامية‭ ‬التي‭ ‬تفقدنا‭ ‬سنويا‭ ‬عشرات‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬مواطن‭ ‬الشغل‭.‬

‭- ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬الشغل‭ ‬إما‭ ‬انتظارا‭ ‬لفرصة‭ ‬الهجرة‭ ‬أو‭ ‬يأسا‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬الولوج‭ ‬بصفة‭ ‬جيدة‭ ‬لهذه‭ ‬السوق‭..‬

يشير‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬النشاط‭ ‬إلى‭ ‬أمر‭ ‬أساسي‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬عالم‭ ‬الشغل‭ ‬أضحى‭ ‬عالما‭ ‬طاردا‭ ‬لجزء‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬شابات‭ ‬وشباب‭ ‬تونس‭ ‬فالحلم‭ ‬عندهم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬ايجاد‭ ‬شغل‭ ‬جيّد‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بل‭ ‬بأي‭ ‬شغل‭ ‬ممكن‭ ‬خارجها‭..‬

وإذا‭ ‬أضفنا‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬حوالي‭ ‬نصف‭ ‬المشتغلين‭ (‬44,8٪‭) ‬مصنفون‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬التشغيل‭ ‬الهش‭ (‬تقنيا‭ ‬عمل‭ ‬غير‭ ‬منظم‭) ‬وفق‭ ‬آخر‭ ‬تقرير‭ ‬للمعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للاحصاء‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2020‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬مؤشرات‭ ‬حول‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المنظم‭ ‬لسنة‭  ‬2019‭) ‬ندرك‭ ‬مدى‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬عالم‭ ‬الشغل‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬بصدد‭ ‬التفاقم‭ ‬موضوعيا‭ ‬نظرا‭ ‬لدخولنا‭ ‬مرحلة‭ ‬النمو‭ ‬الهش‭ ‬منذ‭ ‬عقد‭ ‬ونصف‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬جدي‭ ‬لحوار‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬الحساس‭ ‬ولا‭ ‬رغبة‭ ‬لأية‭ ‬تشاركية‭ ‬حوله‭ ‬والحال‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬الأزمة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬وفي‭ ‬تأثيرها‭ ‬السلبي‭ ‬على‭ ‬معنويات‭ ‬الشباب‭ ‬وعائلاتهم‭.‬

ترى‭ ‬متى‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬مشاكل‭ ‬تونس‭ ‬تهم‭ ‬كل‭ ‬التونسيات‭ ‬والتونسيين؟‭!‬

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115