تونس من فخ النموّ المتوسط إلى فخاخ النموّ الهش

أصدر  المعهد الوطني للاحصاء يوم  15 أوت الجاري  نشريته الدورية

حول النموّ الاقتصادي للثلاثي الثاني لهذه السنة، وكانت النتائج متوقعة إلى حدّ كبير إذ كانت في حدود   2,3٪ لهذا الثلاثي الأخير و2,4٪ بالنسبة للسداسي الأول من هذه السنة، والأرجح أننا سنفشل مرة أخرى في تجاوز عتبة 3٪ على كامل السنة..

ومرة أخرى تكون الفلاحة هي القاطرة بـ 5,5٪ بينما تشهد الصناعات غير المعملية تراجعا لافتا بـ 1,7٪ مقابل شبه ركود للصناعات المعملية (0,3٪) واستفاقة نسبية لقطاع البناء (3,6٪) بعد عدة ثلاثيات سلبية.

أرقام النموّ اقتصادية ولا شك ولكنها أيضا سياسية بل وسياسوية كذلك إذ لا يرى فيها أصحاب الحكم سوى الايجابيات بينما تكون رمزا للفشل عند خصومهم.

لا حقيقة خارج الأرقام. ولكن هل يقول رقم واحد الحقيقة؟

المؤشرات الاقتصادية لا تفهم إلا في سياقاتها العامة ومقارنتها بتاريخ البلد وبما ينجز خارجه سواء من  منافسينا المباشرين أو في بقية دول العالم.

لقد أنجزت دولة الاستقلال على امتداد خمسة عقود نسبة نمو اجمالية تناهز 5٪ سنويا مع عشرية لافتة، السبعينات، حيث كان المعدل في حدود 8,5٪ تقريبا مع رقم قياسي سنة 1972 حيث تجاوزنا 17٪، ما سوى هذه العشرية كانت نسبة نمو تفوق بقليل 4٪ ونزلت دونها (ما بين 3٪ و3,8٪) فقط في الثمانينات مع تلك الأزمة المعروفة سنة 1986 والتي اضطرت البلاد بعدها إلى الدخول في برنامج إصلاح هيكلي (PAS).

تعتبر هذه المعدلات مقبولة في حدّ ذاتها ولكن ما لم يقله الخطاب الرسمي ولو مرة واحدة أن هذه النسب كانت منذ الثمانينات دون معدل نموّ دول العالم الثالث والدول الصاعدة وأن  فارق النموّ زاد اتساعات منذ السوات الألفين.

لقد كانت تونس أسيرة ما يسمى فخّ البلدان ذات الدخل المتوسط حيث لا يسمح نموها بالاقلاع النهائي (على نمط كوريا الجنوبية مثلا) دون القيام بإصلاحات عميقة في كل المستويات وبوتيرة سريعة وهذا ما عجزت عنه الغالبية الساحقة لهذه الدول باستثناء بعض الدول الصاعدة في آسيا...

منذ منعطف هذه الألفية كانت النخب الإدارية والاقتصادية تدرك أن منوال النموّ التونسي قد وصل إلى حدوده القصوى وأي صعودا في سلم القيم يحتاج إلى إصلاحات جوهرية لا فقط في مناخ الأعمال وحوكمته بل وأساسا في النسيج الاقتصادي ذاته وفي المنظومتين التربوية والتكوينية وأن هذا الصعود يستوجب نسب نموّ تتجاوز 6٪ حتى نتمكن بداية من استيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل وثانيا من الارتقاء في سلم القيم بالمراهنة على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية فالتعويل على رخص تكلفة اليد العاملة لا يستطيع، لوحده، تحقيق هذه النقلة..

منذ أواسط العشرية الأولى لهذا القرن كان هذا هو الهاجس الأساسي للدولة التونسية لا سيما مع انفجار نسبة العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا.. وانطلقت بعض المشاريع والبرامج، أغلبها إن لم نقل كلها، توقفت مع انذلاع الثورة التونسية..

يستنتج بعضهم أي الطبقة السياسية الجديدة - أو الثورة ذاتها - هي التي «حطّمت» منجز دولة الاستقلال، ويغفل هؤلاء أن هذا المنجز دخل في أزمة منذ بداية النصف الثاني من عهد الرئيس الراحل بن علي وأن التفكير في الصعود الاقتصادي بقي محصورا بين النخب العليا للحكم دون انفتاح على بقية قوى المجتمع ممّا منع امكانية ظهور وعي جماعي بطبيعة التحديات وبضرورة بناء مشروع وطني يضمن هذا الصعود في سلم القيم..

ولكن هذا لا يلغي مسؤولية النخب الحاكمة والمعارضة بعد الثورة التي همشت المسألة الاقتصادية واعتبرتها مسألة فرعية تقنية  تابعة - في كل الحالات - للإصلاح السياسي والمؤسساتي ففقدت البلاد لا فقط القدرة على التفكير في المستقبل والتخطيط بل وكذلك القدرة على التصرف في اليومي فتآكل نسيجنا الاقتصادي ولم نقم - إلى اليوم - بأي إصلاح جدي فتراجعت كل المؤشرات من ادخار واستثمار وخلق مواطن شغل وتجديد البنى التحتية وتنمية قدراتنا التنافسية فتدحرجنا - دون أن ندرك ذلك -  من فخّ النموّ المتوسط إلى فخّاخ - بل أوحال - النموّ الهش فحققنا في العشرية الأولى للثورة أسوأ معدل نموّ على الإطلاق (1,8٪) ثم سنة كارثية (8,8٪- سنة 2020) ركود تعافت منه الغالبية الساحقة من دول العالم في سنتين بينما استوجب الأمر عندنا أربعة سنوات.

النمو المتوسط يحافظ بالكاد على الموجود دون قدرة على تجاوزه نوعيا.. أما النموّ الهش فهو يحطم الموجود وينزع منه ما بقي من عناصر قوته وهو عادة ما يؤدي إلى تصورات شعبوية انتقامية تزيد الهشاشة هشاشة وتبعد عنا كل يوم آفاق الصعود والخروج من دوامة الهشاشة.

الاقتصاد القوي يتطلب تعليما ذي جودة ومنظومة تكوينية حديثة وبحثا علميا متطورا وتقديسا للعمل وتثمينا للنجاح وأولا وقبل كل شيء مشروعا وطنيا جامعيا يدمج كل بنات وأبناء هذه البلاد..

الصراع على مدلول 2,3٪ بين مهلل ومندد لن يزيدنا إلا غرقا في الوحل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115