الأشكال والرهانات والدلالات، ولكنها اليوم تعيش فصلا دمويا غير مسبوق من تاريخها الجيوسياسي، حيث تقف المواجهة المفتوحة بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإيران عند مفترق طرق. ولم تنجح اتفاقات الهدنة الهشة ومذكرات التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن في كبح جماح الصراع الجذري، بل تحولت إلى مجرد فترات التقاط أنفاس تعقبها جولات عنف متبادلة أشد ضراوة وأقسى وطأة. وفي قلب هذا المشهد المحتدم على الجبهات كافة، يتشابك التصعيد البحري في مضيق هرمز مع الانسداد السياسي والعسكري في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان ، ليشكل لوحة متكاملة لـ "حرب استنزاف كبرى" ترسم ملامح الشرق الأوسط بالنار والدمار، وتخدم بالتوازي الأجندات السياسية الضيقة لمجرم الحرب نتنياهو الذي يحاول النجاة بمستقبله السياسي والهروب من فاتورة جرائمه المنتهكة للقانون الدولي ، وذلك على حساب شعوب المنطقة ومستقبل أوطانها.
لقد أثبتت مسارات التهدئة المؤقتة ومذكرات التفاهم بين واشنطن وطهران عجزها عن إنهاء جذور الأزمة، لترتد إلى اتفاقات هشة يترنح بناؤها تحت ضربات الميدان المتلاحقة. فالتصعيد المتجدد والسيطرة المتنازع عليها على مضيق هرمز يعكسان إصرار الطرفين على تحسين شروط التفاوض بلغة النار، إذ تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة بين ضغوط الاستنزاف العسكري وارتفاع كلفة العمليات، بينما تحاول إيران الهروب من قبضة العقوبات والدولار نحو تكتلات بديلة (كإعلان طهران امس عن قرب الانضمام إلى بنك التنمية الجديد التابع لـ "بريكس")، مراهنة على إطالة أمد المواجهة لإرباك الحسابات الأمريكية ورفع تكلفة أمن الطاقة العالمي.
ومع انهيار الهدن البحرية وعسكرة الممرات المائية، باتت تكلفة العودة إلى الدبلوماسية المستدامة باهظة للغاية، خصوصا مع تمسك كل طرف بأوراق ضغط استراتيجية لا يمكن التنازل عنها بسهولة، الأمر الذي جعل التحركات الدبلوماسية الإقليمية المشتركة - كجهود مصر والإمارات وباكستان والدوحة- خط الدفاع الأخير لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة تأكل الأخضر واليابس. فالاستنزاف الهائل يطرح تساؤلا مصيريا حول قدرة البنى التحتية والنظم الاقتصادية الإقليمية وكذا العالمية على الصمود، في ظل تضخم عالمي، وتهديدات مستمرة لأمن الطاقة ولخُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز المار عبر مضيق هرمز.
وفي خضم هذا التجاذب المستمر بين واشنطن وطهران، يبقى الاقتصاد العالمي واستقرار إمدادات الطاقة رهينة لنتائج هذه الحرب. علما ان تجارب العقوبات التاريخية لواشنطن تجاه طهران تُظهر مرونة إيرانية عالية في التكيف مع الحصار عبر شبكات علاقاتها التجارية البديلة. وهذا ما يضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي يتمثل في عجز الخيار العسكري عن حسم المعركة بشكل كامل ومحدودية تأثير العقوبات بسبب الصمود الإيراني.
يشار الى أن سياسة الحصار والحظر الاقتصادي تعتبر أحد أهم أدوات "الحرب الدبلوماسية " التي تلجأ إليها واشنطن لتحقيق أهدافها الخارجية دون الدخول في حروب عسكرية مباشرة. واستخدمت سابقا هذا السلاح مع كوبا والذي يعد أحد أطول وأشمل الحصارات الاقتصادية في العصر الحديث. كما فرضت واشنطن في عهد ترامب حصارا اقتصاديا وماليا شبه شامل على فنزويلا وشركة النفط الوطنية التابعة لها، إضافة إلى تجميد مليارات الدولارات من الأصول الحكومية الفنزويلية في الخارج. كما تخضع بيونغ يانغ لحصار اقتصادي وعقوبات دولية وأمريكية بالغة القسوة تهدف إلى عزلها كليا عن النظام المالي العالمي (نظام سويفت)، ومنعها من استيراد التكنولوجيا العسكرية أو تصدير المعادن والفحم، للضغط عليها بهدف التخلي عن برنامجها النووي.
وفي أعقاب الأزمة الأوكرانية، قادت واشنطن أوسع حزمة عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية في التاريخ الحديث ضد موسكو، شملت تجميد أصول البنك المركزي الروسي في الخارج، وفصل كبرى البنوك الروسية عن نظام التداولات المالية العالمي، وحظر استيراد مصادر الطاقة الروسية.
وفيما يتعلق بإيران ، ولئن كانت سياسة العقوبات الاقتصادية بدأت منذ عام 1979، الا ان هذا السلاح برز بوضوح عام 2018 عندما انسحب دونالد ترامب أحاديا من الاتفاق النووي، وفرض رزمة من أقسى العقوبات التي استهدفت القطاع المالي، والبنوك، ومبيعات النفط الإيرانية بالكامل، محاولا تصفية عائدات طهران وحرمانها من العملات الأجنبية.
واليوم لا يمكن بأي حال قراءة ما يحصل في جبهة الخليج ومضيق هرمز بمعزل عن الجبهات الإقليمية الأخرى، فالتصعيد البحري يتناغم عضويا مع تعثر خطير في الملفات العربية الملتهبة. ففي غزة يقف اتفاق وقف إطلاق النار عند جدار مسدود وسط رفض حكومة الاحتلال الانسحابات المجدولة وذلك رغم اعلان حماس عن الموافقة على تسليم سلاحها للجنة تكنوقراط فلسطينية، بالتزامن مع ذلك يتواصل التصعيد الصهيوني غير المسبوق والاعتداءات الواسعة للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وفي لبنان يستمر الاحتلال الإسرائيلي في سياسة "الأرض المحروقة" متمسكا بالبقاء العسكري في المناطق الحدودية، في مسعى لفرض واقع أمني دائم بالقوة فيما سمي بالمنطقة الصفراء. ونظرا للتداخل العضوي بين قوى المقاومة، يظل الجنوب اللبناني مرآة عاكسة لانهيار أو استقرار للهدنة بين واشنطن وطهران.
ويتكامل هذا المشهد الدموي مع العقيدة الاستراتيجية للكيان الصهيونى والمخططات المستمرة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، والتي لا تهدف فقط إلى تقويض أي نفس مقاوم في جنوب لبنان وغزة، بل تسعى حثيثا لابتلاع المنطقة ككل وإعادة رسم خرائطها استجابة لمشروع "التوسع الصهيوني الكبير" سواء بسياسة الاحتلال والاحلال المباشر وقضم الأراضي كما يحصل في سوريا ولبنان ، او من خلال سياسة التطويع والحاق دول المنطقة بركب التطبيع.
وفي خضم هذا المخاض، يسابق مجرم الحرب بنيامين نتنياهو الخطى مدفوعا بالاستحقاقات الانتخابية التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر للهروب من ملاحقاته القضائية وأزماته السياسية الداخلية. ويعمد نتنياهو إلى تصعيد الحروب وإفشال صفقات التهدئة لإرضاء قواعد اليمين المتطرف في ائتلافه، جاعلا من استمرار سفك الدماء وإشعال الجبهات الإقليمية طوق نجاة له، في حين تدفع المنطقة بأسرها ثمن استراتيجية التقتيل الصهيونية وفوضى الحروب العارمة دون أفق.