الذكرى‭ ‬السبعون‭ ‬لمجلة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭:‬ الحداثة‭ ‬التونسية‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬إلى‭ ‬ذكرى

 

في‭ ‬13‭ ‬أوت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬تحيي‭ ‬تونس‭ ‬عيدها‭ ‬الوطني‭ ‬للمرأة

‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬تاريخ‭ ‬صدور‭ ‬مجلة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬سنة‭ ‬1956،‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭ ‬الذي‭ ‬قادته‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحرير‭ ‬علاقاته‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬موروثه‭ ‬التقليدي،‭ ‬وبناء‭ ‬مجتمع‭ ‬جديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬والتعليم‭ ‬والمساواة‭ ‬ومشاركة‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭.‬

واليوم،‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬سبعين‭ ‬سنة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬امتلكت،‭ ‬في‭ ‬عشية‭ ‬استقلالها،‭ ‬الجرأة‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬مشروع‭ ‬لتغيير‭ ‬المجتمع،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بمقدورها‭ ‬غير‭ ‬الاحتفال‭ ‬الخجول‭ ‬بذكرى‭ ‬من‭ ‬ماضيها،‭ ‬ذكرى‭ ‬عن‭ ‬مشروعها‭ ‬الوطني‭. ‬ليصبح‭ ‬تاريخ‭ ‬13‭ ‬أوت‭ ‬موعدًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بمجلة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬البعض‭ ‬اليوم‭ ‬يدفع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬مراجعتها‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬فصولها،‭ ‬ويكون‭ ‬مناسبة‭ ‬سنوية‭ ‬متجددة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬لمشروع‭ ‬تحديث‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭.‬

فمنذ‭ ‬70‭ ‬سنة،‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬التونسية‭ ‬وقادتها‭ ‬يعلنون‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬رؤيتهم‭ ‬وتصورهم‭ ‬للمستقبل‭ ‬الذي‭ ‬يسعون‭ ‬لبنائه،‭ ‬ويحشدون‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولكنها‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬فقط‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬المستقبل‭ ‬وحشد‭ ‬الشارع،‭ ‬بل‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تأطير‭ ‬النقاشات‭ ‬العمومية‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬تصور‭ ‬مجتمعي‭ ‬جامع،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المشاريع‭ ‬المجتمعية‭ ‬الكبرى،‭ ‬تاركة‭ ‬الفراغ‭ ‬أمام‭ ‬مشاريع‭ ‬شعبوية‭ ‬ظلامية،‭ ‬بعضها‭ ‬يريد‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬وحقوق‭ ‬النساء‭.‬

سبعة‭ ‬عقود‭ ‬مرّت،‭ ‬واليوم‭ ‬تعود‭ ‬أصوات‭ ‬تحن‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬وتصارح‭ ‬بكراهيتها‭ ‬للنساء‭ ‬والمختلفين،‭ ‬للارتفاع‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬تصورات‭ ‬قديمة‭ ‬للأسرة،‭ ‬أو‭ ‬السلطة،‭ ‬ولدور‭ ‬المرأة‭ ‬وعلاقة‭ ‬الفرد‭ ‬بالجماعة،‭ ‬وحدود‭ ‬الاختلاف،‭ ‬ومعنى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صمت‭ ‬رسمي‭ ‬لم‭ ‬تكسره‭ ‬إلا‭ ‬أصوات‭ ‬المدافعات‭ ‬والمدافعين‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬مكتسبات‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال،‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬13‭ ‬أوت‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬مناسباتها‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬التأكيد‭ ‬بأن‭ ‬المجتمع‭ ‬ليس‭ ‬جلمود‭ ‬صخر‭ ‬ثابتًا،‭ ‬وأن‭ ‬الدولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬وأن‭ ‬القانون‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬للتحرر‭.‬

ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬التذكير‭ ‬بضرورة‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬الدولة‭ ‬مشروعًا‭ ‬للمستقبل،‭ ‬كما‭ ‬امتلكت‭ ‬في‭ ‬1956‭ ‬مشروع‭ ‬التحديث،‭ ‬الذي‭ ‬بتنا‭ ‬نكتفي‭ ‬اليوم‭ ‬بالاحتفاء‭ ‬به‭ ‬لإثبات‭ ‬استمراره‭. ‬ويسقط‭ ‬عنا‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬مشروع‭ ‬مستمر‭ ‬متجدد،‭ ‬وأنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬تريد‭ ‬بناءه،‭ ‬وفي‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬الحقوق‭ ‬وتضمنها،‭ ‬وفي‭ ‬الفضاءات‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬النساء‭ ‬وتمكّنهن‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬حقوقهن‭ ‬وحرياتهن‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬اليوم‭ ‬الذكرى‭ ‬السبعين‭ ‬لمجلة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬لنطرح‭ ‬السؤال‭ ‬المزعج‭: ‬هل‭ ‬مازالت‭ ‬تونس‭ ‬تمتلك‭ ‬مشروعًا‭ ‬للمستقبل؟‭ ‬وهل‭ ‬إن‭ ‬الخطر‭ ‬المتنامي‭ ‬ضد‭ ‬النساء‭ ‬وضد‭ ‬كل‭ ‬مكاسب‭ ‬الحداثة‭ ‬ودولة‭ ‬الاستقلال‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬اختلاف‭ ‬توجهات‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي،‭ ‬أم‭ ‬عن‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬يتسع‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تخلي‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الغد‭ ‬والسياسات؟

فاليوم،‭ ‬المعركة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬عنوانها‭ ‬الأبرز‭ ‬حقوق‭ ‬النساء‭ ‬وحمايتهن،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أيضًا‭ ‬معركة‭ ‬عن‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬عن‭ ‬شكل‭ ‬الأسرة،‭ ‬ومكانة‭ ‬الفرد،‭ ‬والمساواة،‭ ‬والحقوق،‭ ‬والحريات،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬وعلاقة‭ ‬المواطن‭ ‬بالدولة‭.‬

وهي‭ ‬معركة‭  ‬تستوجب‭ ‬حضور‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬لإدارة‭ ‬الاختلاف‭  ‬فيه‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬عمومي،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬رسم‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬ألا‭ ‬يتحول‭ ‬الاختلاف‭ ‬إلى‭ ‬مطية‭ ‬للتراجع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬القانوني‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬حماية‭ ‬وقيادة‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتوسيع‭ ‬مجال‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115