التوجهات‭ ‬الكبرى‭ ‬لمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭: ‬ عندما‭ ‬تعوض‭ ‬الشعارات‭ ‬البرامج‭ ‬والمعطيات‭ ‬

انعقد‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء 4 أوت مجلس‭ ‬وزاري‭ ‬مضيق‭ ‬خصص‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬التوجهات‭ ‬الكبرى
‭ ‬لمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لسنة‭ ‬2027، وقد أصدرت مصالح‭ ‬الإعلام‭ ‬والاتصال‭ ‬برئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬بلاغا‭ ‬مطولا‭ (‬حوالي‭ ‬750‭ ‬كلمة‭) ‬استعرض‭ ‬أهم‭ ‬النقاط‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاجتماع‭.‬ يتم‭ ‬التأكيد‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬لسنة‭ ‬2027‭ ‬‮«‬يتنزل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التوجهات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬لمخطط‭ ‬التنمية‭ ‬للفترة‭ ‬2026-2030» وهذا‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬معقول‭ ‬للغاية‭ ‬ولكن‭ ‬اللافت‭ ‬للنظر‭ ‬هو‭ ‬التوصيف‭ ‬الايديولوجي‭ ‬للمخطط‭ ‬اذ‭ ‬تعتبر‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬أنه‭ ‬قائم‭ ‬‮«‬على‭ ‬تكريس‭ ‬البناء‭ ‬القاعدي‭ ‬وتجسيم‭ ‬المنهج‭ ‬التصاعدي‭ ‬والتشاركي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأقاليم‭ ‬والجهات‭ (...) ‬وذلك‭ ‬وفقا‭ ‬لتوجيهات‭ ‬سيادة‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‮»‬‭.‬ لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬التناقض‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬اذ‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬‮«‬المنهج‭ ‬التصاعدي‮»‬‭ ‬وفقا‭ ‬لتوجيهات‭ ‬أعلى‭ ‬رأس‭ ‬في‭ ‬هرم‭ ‬السلطة‭ ‬لفقد‭ ‬‮«‬التصاعد‮»‬‭ ‬كل‭ ‬معنى‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬حقيقته‮»‬‭ ‬تكون‭ ‬معطاة‭ ‬قبل‭ ‬مجرد‭ ‬انطلاقته‭ ‬والواضح‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬تريد‭ ‬نفي‭ ‬شبهة‭ ‬لازمت‭ ‬كل‭ ‬حكومات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬25‭ ‬جويلية‭ ‬2021‭ ‬وهي‭ ‬انشطار‭ ‬عقل‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭: ‬البناء‭ ‬القاعدي‭ ‬في‭ ‬الرئاسة‭ ‬والتصرف‭ ‬التقليدي‭ ‬البيروقراطي‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭.‬ ولكن‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬التوجهات‭ ‬الكبرى‭ ‬لمشروع‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬للسنة‭ ‬القادمة؟ ‭ - ‬تحفيز‭ ‬محركات‭ ‬خلق‭ ‬الثروة ‭ - ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الذات ‭ - ‬مواصلة‭ ‬تجسيم‭ ‬أهداف‭ ‬الميزانيات‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬بلوغ‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬والأمن‭ ‬المائي‭ ‬وكذلك‭ ‬الأمن‭ ‬الدوائي ‭ - ‬التسريع‭ ‬في‭ ‬انجاز‭ ‬البرامج‭ ‬والمشاريع‭ ‬التنموية‭ ‬وتجسيم‭ ‬الاصلاحات‭ ‬الاستراتيجية ‭ - ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬التوازنات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى ‭ - ‬دفع‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭ ‬والخاص وعلى‭ ‬هذه‭ ‬الشاكلة‭ ‬تكون‭ ‬بقية‭ ‬‮«‬التوجهات‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬ذكر‭ ‬رقم‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬قابل‭ ‬للقيس‭ ‬بل‭ ‬ترداد‭ ‬شعارات‭ ‬تعلم‭ ‬الحكومة‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬صدى‭ ‬ايحابيا‭ ‬عند‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ولكنها‭ ‬تعلم‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬اكراهات‭ ‬إعداد‭ ‬ميزانية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نموّ‭ ‬هش‭ ‬هيكلي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬إطلاقا‭ ‬بتحسين‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬خاصة‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيان‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تغيّر‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية‭..‬ ثم‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نجد،‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن،‭ ‬موقفا‭ ‬رسميا‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء‭ ‬والمياه‭ ‬المعدنية‭ ‬والدواء‭ ‬التي‭ ‬خيّمت‭ ‬على‭ ‬عموم‭ ‬التونسيين‭ ‬هذه‭ ‬الصائفة‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬قرب‭ ‬نهايتها‭...‬ وفق‭ ‬آخر‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية‭ ‬للمرصد‭ ‬الوطني‭ ‬للطاقة‭ ‬والمناجم‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬2026 تكون نسبة‭ ‬استقلالنا‭ ‬الطاقي ‭(‬كل‭ ‬عناصر‭ ‬الطاقة‭ ‬مجمعة‭) ‬في‭ ‬حدود‭ ‬34٪‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬2026 مقابل‭ ‬39٪ في‭ ‬ماي‭ ‬ 2025 هذا‭ ‬عندما‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬اتاوة‭ ‬أنبوب‭ ‬الغاز‭ ‬الجزائري‭ ‬أما‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬فهي‭ ‬تساوي‭ ‬28٪‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬2026 مقابل 30٪ سنة قبلها‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬جويلية‭ ‬2021‭ ‬تقدر‭ ‬بـ‭ ‬55٪‭ ‬باحتساب‭ ‬الأتاوة‭ ‬و‭ ‬44‭ ‬٪‭ ‬دونها‭.‬ وتلاحظون‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬التراجع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬استقلالنا‭ ‬الطاقي‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بموجة‭ ‬الحرّ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصائفة،‭ ‬إذن‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬أمن‭ ‬طاقي‭ ‬نتحدث‭ ‬وعن‭ ‬أي‭ ‬تجسيم‭ ‬أهداف‭ ‬الميزانيات‭ ‬السابقة‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬استقلاليتنا‭ ‬الطاقية‭ ‬تتراجع‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬وأنه‭ ‬لولا‭ ‬انشاء‭ ‬محطتين‭ ‬للكهرباء‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬العشرية‭ ‬السوداء‮»‬‭ ‬لكان‭ ‬وضعنا‭ ‬أسوأ‭ ‬بكثير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭..‬ لا‭ ‬أحد‭ ‬يعتقد‭ ‬أننا‭ ‬سنحقق‭ ‬اكتفاء‭ ‬ذاتي‭ ‬في‭ ‬المحروقات‭ (‬الغاز‭ ‬والبترول‭) ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬التراجع‭ ‬الكبير‭ ‬لعدد‭ ‬رخص‭ ‬التنقيب‭ ‬وغياب‭ ‬اكتشافات‭ ‬جديدة‭ ‬ولكن‭ ‬إنتاج‭ ‬الكهرباء‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬فقط‭ ‬للطاقة‭ ‬الاحفورية‭ ‬اذ‭ ‬بامكاننا‭ ‬تغذيته‭ ‬بالطاقات‭ ‬البديلة‭ ‬ولاسيما‭ ‬بالطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬فقط‭ ‬بمحطات‭ ‬الإنتاج‭ ‬بل‭ ‬خاصة‭ ‬بالأسر‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العمومية‭ ‬والخاصة‭.‬ فهل‭ ‬يعقل‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬كبلادنا‭ ‬مع‭ ‬حدود‭ ‬مواردنا‭ ‬الاحفورية‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬كل‭ ‬البنايات‭ ‬مغطاة‭ ‬بالألواح‭ ‬الشمسية؟‭! ‬التشجيع‭ ‬الفعلي‭ ‬لانتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬وذلك‭ ‬بامكانية‭ ‬التخزين‭ ‬أولا‭ ‬والترفيع‭ ‬الجدي‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬بيع‭ ‬الفائض‭ ‬لـ«الستاغ‮»‬‭ ‬بامكانه‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬جهد‭ ‬انشاء‭ ‬محطات‭ ‬جديدة‭ ‬وأن‭ ‬يعيد‭ ‬لنا‭ ‬استقلاليتنا‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الكهرباء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحنا‭ ‬مدينين‭ ‬للكهرباء‭ ‬الجزائرية‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬11٪‭ ‬سنويا‭ ‬وما‭ ‬أزمتنا‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلا‭ ‬انعكاسا‭ ‬لهذه‭ ‬التبعية‭ ‬بعد‭ ‬اصابة‭ ‬مجمع‭ ‬ضخم‭ ‬بالجزائر‭ ‬بالعطب‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬جويلية‭ ‬الفارط‭...‬ وماذا‭ ‬عن‭ ‬منظومات‭ ‬انتاجنا‭ ‬الغذائي‭ ‬من‭ ‬الألبان‭ ‬ومشتقاتها‭ ‬واللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والبيضاء؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬اكتفائنا‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬القمح‭ ‬الصلب؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬صناعاتنا‭ ‬الاستخراجية‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬وفسفاط؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الهش؟ عن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وغيرها،‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬سوى‭ ‬شعارات‭ ‬عامة‭ ‬وحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تصاعدية‮»‬‭ ‬تقصي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬النقابات‭ ‬والمنظمات‭ ‬والأحزاب‭ ‬والجمعيات‭ ‬وجزء‭ ‬هام‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الرأي‭ ‬والخبرة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭.‬ إلى‭ ‬متى‭ ‬يستمر‭ ‬السير‭ ‬القهقرى؟‭!‬

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115