من قبل كل من الرئيس دونالد ترامب والرئيس مسعود بازيشكان كل على حدى في انتظار اجتماع الوفود اليوم في جنيف لاستكمال الإجراءات البروتولوكية وتمهيد لجولة المفاوضات النهائية، لتثبيت إيران ان الرهان على قدرتها الصمود ورفع كلفة الحرب عليها كان الى غاية الان خيارا ناجعا يمهد لها الخطوة القادمة وهي ترجمة هذا الصمود الى نجاح سياسي.
في الحروب قديما واليوم ليست غايتها الحرب لذاتها بل المكاسب التي تحققها، ولذلك فإن القسم الأول من الحروب يكون في ساحات القتال وميادينه والقسم الثاني والذي لا يقل أهمية على طاولة المفاوضات التي عبر المرور بها تترجم المنجزات العسكرية إلى وقائع سياسية واقتصادية ودبلوماسية دائمة. وهذا هو التحدي الحقيقي اليوم أمام طهران.
اذ ان مذكرة التفاهم لا تعلن فقط عن فشل العدوان الامريكي الصهيوني على ايران، بل وتعلن نهاية مقاربة سياسية دامت لأكثر من 45 سنة قامت على هدف أساسي وهو تطويق إيران ودفعها خارج شبكة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، نهاية حقبة كاملة لا تكتفي بفتح ابواب التغيير في الاقليم بل وتفرض على إيران اليوم اتخاذ خيار استراتيجي، إما ان تظل دولة ثورية تدير شبكة نفوذ، او أن ترتقي لتكون دولة إقليمية قوية تمتلك أدوات النفوذ.
اختيار حتمي امام ايران لا يمكنها لاعتبارات عدة ان تتجنبه، وهو ما يجعلها نظريا أمام ثلاثة مسارات محتملة. اما التشدد وتثبيت العقيدة الامنية التي حكمت سياستها الإقليمية خلال العقود الاربعة الماضية، وهذا قد يستند لقراءات تقول بأن النصر تحقق والدولة تمت حمايتها وحماية النظام بالقوة وبشبكة حلفاء إقليميين تم توظيفهم لخدمة هذه الغاية، اي ان القوة والرهان على حلفاء غير دولتين هما ما أسس منظومة الردع الإيرانية وهما ما حقق هذا النجاح وليست الدبلوماسية والترتيبات الاقليمية.
استنتاج سيفضى الى ان تثبيت خيار منظومة الردع الايرانية من منطلق ان درس الحرب بسيط وهي ان معادلة الردع القدمية حققت النجاح وبالتالي فان الخيار الأسلم للنظام العمل على توسيعها تعديلها لا مراجعاتها واسقاطها، وجزء واسع من الفاعلين في مراكز النفود والقوة في ايران مقتنعون بهذا ومن بينهم المرشد الجديد مجتبئ خامنئي الذي دافع عن فكرة ان «الصمود هو الذي يفرض التفاوض وليس العكس».وبالتالي من الصعب ان يتخذ النظام ومؤسسات الحكم في طهران قرار التخلي عن مقاربة الأمن الإقليمي القديمة وكامل أدوات النفوذ والقوة كليا.
لكن ايضا ذات المؤسسات والمرشد يدركون جيدا ان المشهد الداخلي والإقليمي تغير وان النظام الايراني ورغم سردية النصر التي تسوق اليوم عليه ان يعالج ما تراكم من ازمات ومنها الاقتصادي والاجتماعي اللذين باتا تهديدا استراتيجي لا فقط للنظام ببل للدولة الايرانية، التى للخروج من هذه المعضلة عليها ان تكسر عزلتها وان تندمج في الاقليم.
ضرورة حيوية لايران تضعها امام مسار ثاني يقوم على استثمار المنجز العسكري سياسيا وجعله منصة للانفتاح الإقليمي والدولي، من خلال تحويل الصمود والقدرة على انتزاع تنازلات من امريكا ودفع الاخيرة للضغط على دولة الاحتلال، الى قوة سياسية واقتصادية توظف بند رفع العقوبات للاندماج الاقتصادي في المنطقة، وهذا الخيار له انصاره في ايران التي عاشت منذ2008 على وقع توتر داخلي غذته الازمات الاقتصادية وفاقمته اليوم الحرب.
فالمجتمع الايراني عاجلا ام اجلا سوف تتلاشى نشوته بالنصر في الحرب ليكون امام واقعه اليومي وتحدياته وهذا سيكون عنصر خطرا على النظام الذي وان اراد استثمار النصر في المواجهة داخليا لن يستطيع احكام سيطرته الكلية على الدولة والمجتمع وسيظل مطالبا بتقيم منجز اقتصادي واجتماعي لمئة مليون شخص.
وهو ما يشكل مسار ثالثا يتوسط سابقيه، فرغبات النظام وطموحه الاقليمي هما عنصر في معادلة توازنات داخلية تجعل من انتصار قراءة على اخرى امر صعب، فمن شبه المؤكدد ان ايران لن تتخلى عن عناصر القوة التي تعتبرها الضمانة الأساسية لأمنها ولكنها في المقابل لن تستطيع بعد هذه الحرب والدمار والخسائر البشرية ان تستمر في نهجها السياسي القديم دون مراجعة تستجيب مع المتطلبات الداخلية والاقليمية لمرحلة ما بعد الحرب. وهو ما يتركها امامخيار ثالث يمزج بين الردع والانفتاح ان اردنا ان نختزل وصفعه.
خيار ينطلق إعادة تعريف طهران لنفوذها لا التخلي عنه، وإلى تحويل جزء من شبكة الأمن والتحالف العسكري غير الدولاتي الذي راكمته إلى رصيد سياسي سيمح لها بنسج شبكة تحالفات مع دول المنطقة باستثناء دولة الاحتلال، يمكنها من إعادة التموقع في الخارطة الدولية بهدف الاندماج الاقتصادي .
في هذا الخيار الاقرب يمكن لايران ان تحافظ على برامجها الصاروخية وقدراتها الردعية وشبكتها الامنية لكنها في الوقت نفسه ستسعى إلى خفيض مستوى التوتر والصدام المباشر مع الولايات المتحدة والدول الاقليمية الكبرى كالمملكة العربية السعودية التي سيكون ملف اليمن اختبارا لكليهما تحدد نتائجه قدرة ايران على الاندماج وعقد تحالفات اقتصادية مع الجوار الخليجي، فان نجحت إيران في احتواء حليفها الحوثي والدفع نحو تسوية سعودية يمنية تضع فغي عين الاعتبار مخاوف المملكة ومصالحها، قد يتمكن ضلعي مثلث المنطقة من التقارب وتوسيع الشركة بينهما، خاصة الفرصة سانحة في ظل اعادة النظر في موقع دولة الاحتلال في شبكة التحالفات الامنية والاقتصادية في المنطقة.
الملف اليمني سيكون اهم مؤشر لهذا التحول الذي قد لا يعكس تغيير أيديولوجي لايران بل اعادة ترتيب أولويتها الاحتفاظ بعناصر القوة الصلبة مع إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي وتخفيف الصدامات غير الضرورية مع دول الجوار، وهي خطوة قد تكون ضروية في مسار تخفيف التوتر بين ايران والتحالف الغربي بزعامة امريكا.
إيران تدرك انها وان خرجت من المواجهة صادمة الا ان قدرتها على تسيل هذا الانجاز سياسي تظل محكومة بتفاعل واشنطن والقوى الإقليمية معها، فهؤلاء يمكنهم التعايش مع مشهد اقليمي تكون فيه ايران قوة وازنة ولكن قوة اقل صدامية خاصة في علاقة بدول الجوار.
وعليه قد يكون مستقبل ايران مرتبط بقدر النظام على تحقيق توازن الردع والانفتاح .