أمريكا وايران يقتربان من الوصول إلى اتفاق أولي: من الحرب إلى الاحتواء

تتوالى التصريحات الأمريكية والإيرانية معلنة عن الاقتراب

من الوصول إلى اتفاق إطاري (مذكرة تفاهم) بين الجانبين بموجبها يقع تمديد الهدنة بـ6 أشهر وإطلاق مسار تفاوضي على أمل الوصول قبل نهايتها إلى اتفاق يضع حدا للحرب وتداعياتها على المنطقة التي تتحرك صفائحها لتشكل اليوم مشهدا إقليميا جديد أبرز عناوينه إيران.

هذا الاتفاق الإطاري الذي يسوق له في الخطاب الأمريكي على أنه «خبر جيد» يتضمن وقف العمليات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين الطرفين، وينص أيضا على تعليق الهجمات ضد القواعد الأمريكية والمصالح الغربية في المنطقة، ويتضمن تجميدًا جزئيًا للبرنامج النووي الإيراني، خاصة ما يتعلق بالتخصيب عالي النسبة وعدم توسيع بعض المنشآت النووية خلال فترة الهدنة، وهي نقاط اعتبرها ترامب أفضل بكثير من اتفاق 2015.

كما تضم بنود الاتفاق نقطة تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز وضمانها، بالإضافة إلى تخفيف مرحلي للعقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، في انتظار الوصول إلى اتفاق نهائي أشمل يعالج الملف النووي والترتيبات الأمنية الإقليمية ورفع العقوبات كليا عن إيران.

إيران التي تمضي إلى هذا الاتفاق تدرك جيدا أن الحرب لم تنته بل انتقل ضغطها إلى المفاوضات التي ستقود إما إلى استئناف الحرب أو إقرار المكاسب الاستراتيجية التي غنمتها إيران من الحرب، وهي الإقرار ضمنيا بأن مضيق هرمز يخضع لسيطرة إيران وهي من يتحكم في حركة الملاحة فيه، وهذا ما يكشفه البند الخاص بالمضيق في الاتفاق وإن كان البعض يرى أنه ضغط أمريكي لسحب ورقة هرمز من طاولة التفاوض، وقبول إيران به يعني أنها فقدت هذه الورقة الهامة وبالتالي هي تعود للمفاوضات في حالة ضعف.

بعيدا عن هذا التقييم الذي يغفل عن حقائق جغرافية، وهي أن جزءا واسعا من المضيق يقع في مياه إيران الإقليمية وأن ضفته الشمالية تحت سيطرة إيرانية كلية ومطلقة، أي أن إيران لها الأفضلية الجغرافية التي تسمح لها بأن تلعب دورا في المضيق، والاتفاق أقر لها بذلك ضمنيا، فهو يطالبها بالالتزام بضمان حرية الملاحة، طلب يتجاوز بعده الأمني إلى اعتراف صريح بالدور الإيراني في إدارة أهم ممر بحري اليوم.

إذ أن أمريكا التي تمتلك اليوم تفوقا عسكريا بحريا في المنطقة، لم تستطع ضمان حرية الملاحة في المضيق رغم تأكيد إرادتها على تدمير البحرية الإيرانية كليا، مما دفعها إلى البحث عن تفاهم مع إيران بعد فشل محاولات فتح المضيق بالقوة والضغط، وهو ما يعد إقرارا صريحا بأن لطهران اليوم دورا محوريا في ضمان أمن المضيق وحرية ملاحته، وهو ما لم يكن قبل الحرب.

حرب خاضتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران بهدف إسقاط نظامها وتفكيك برنامجها النووي كليا، قبل أن تصبح اليوم محاولة لاحتواء هذا البرنامج بفرض التزامات تقنية محددة تمتد لـ6 أشهر إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائي، وتتضمن هذه الالتزامات تجميد إيران للتخصيب عالي النسبة، وعدم تشغيل أو توسيع عدد من منشآتها النووية، وثالثا الحد من تطوير مخزون اليورانيوم المخصب في فترة الهدنة. كما ينص الاتفاق على استمرار الرقابة الفنية للوكالة الدولية للطاقة الذرية على الأنشطة والمنشآت النووية الإيرانية ضمن آليات متابعة وتحقق متفق عليها.

أي أن مذكرة التفاهم التي يقترب الطرفان منها لا تنص من بعيد أو قريب على تفكيك كلي للبرنامج النووي الإيراني ولا تناقش حق إيران في التخصيب، بل تكتفي بفرض تجميد وإحالة الملف إلى المفاوضات الشاملة، وهي نقطة هدفها الأساسي انتزاع صورة نصر أولية للإدارة الأمريكية التي سبق لها قبل أقل من سنة أن أعلنت عن القضاء كليا على البرنامج النووي الإيراني في حرب الـ12 يوم، وعن تدمير جل المنشآت النووية سواء في الحرب السابقة أو الحالية.

بند تريد من خلاله أمريكا ضمان تجميد جزئي ومؤقت لبرنامج نووي سبق وقضت عليه، مقابل ذلك ستتمكن إيران من تخفيف العقوبات واستعادة جزء من أموالها المجمدة والإقرار بحقها في التخصيب السلمي لليورانيوم، على أن يقع مناقشة نسبة التخصيب في المفاوضات الشاملة، وهو ما يعني صراحة تراجع أمريكا عن هدفها الرئيسي من الحرب وعودة غير مباشرة إلى اتفاق 2015 ومقاربة احتواء إيران والتعايش مع نفوذها في المنطقة ضمن خريطة توازنات جديدة ستتضح ملامحها بعد 6 أشهر.

ففي اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أُعلن أن هدف الحرب هو القضاء على النظام الإيراني وبرنامجه النووي أو على الأقل فرض تنازلات جوهرية عليه، لكن بنود الاتفاق الإطاري تقول بغير ذلك كيفما قرئت، فمذكرة التفاهم ترسم إطار المفاوضات وسقفها، وهو تقييد جزئي ومؤقت للبرنامج النووي الإيراني وضبط سقف للتخصيب أي رسم نسبة معايرة لا يمكن أن تتجاوزها إيران التي سبق وقبلت قبل الحرب أن تكون نسبة 20 بالمئة.

مقابل هذا التنازل الإيراني وقع تثبيت طهران في المعادلة الإقليمية كطرف فاعل له نفوذ على حركة الملاحة وسوق الطاقة وأمنهما، بالإقرار ضمنيا بأن أمن الملاحة في هرمز لا يمكن تحقيقه دون تفاهمات مع إيران، وثانيا بالربط الصريح بين الجبهات بالتنصيص على وقف العمليات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين الطرفين، وهو بند يقر لإيران بنفوذها الإقليمي ويعزز ترابط شبكة تحالفاتها ويعلن صراحة أنها باتت جزءا من معادلة أمن المنطقة.

هنا وفي انتظار اتضاح الصورة والإعلان عن مذكرة التفاهم/الاتفاق الإطاري، بات من الجلي أن الإدارة الأمريكية التي خاضت حربها على اعتقاد أنها ستكون سريعة وحاسمة باتت تدرك أنها تدفع بمنطقة الخليج إلى الانفجار وما سيترتب عن ذلك من إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات في المنطقة حتى وإن ربحت أمريكا الجولة الجديدة من الحرب، لذلك فقد عدلت من استراتيجيتها وتخلت مؤقتا عن هدف إخضاع إيران كليا لصالح منع الانفجار والأزمة الاقتصادية العالمية التي سترتد على أمريكا وإدارتها المقبلة على انتخابات تشريعية نصفية خلال أشهر.

مراجعة أمريكية مكنت إيران من تحقيق مكاسب استراتيجية أبرزها اليوم هو الإقرار بأن أمن الخليج وسوق الطاقة وحركة الملاحة ملفات تمتلك إيران نفوذا عليها ولا يمكن معالجتها دون التفاوض معها، أي دمج إيران في المعادلة الإقليمية والدولية كلاعب رئيسي وليس ثانويا، مسار ليزال في بدايته

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115