دول الخليج تضغط لمنع استئناف الحرب: إعادة تعريف التحالف والبحث عن التعايش

بات الحساب الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب

على منصته للتواصل الاجتماعي "Truth Social" قناته المفضلة لنشر سرديته عن الحرب ضد إيران وسياسته تجاهها، كما كان عليه الأمر فجر الثلاثاء الفارط حينما نشر تدوينة يعلن فيها تأجيل ضربة عسكرية كانت مبرمجة ضد إيران استجابة لطلب من قادة خليجيين، على رأسهم السعودية وقطر والإمارات، الذين طالبوا بمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة وفق ما نشره.
تدوينة تلقفتها وسائل الإعلام وعالجتها من زاوية الإعلان عن تأجيل الضربة بيومين أو ثلاثة، وعن التفاصيل التي أشارت تقارير إلى حجمها وإلى أهدافها المبرمجة، ومنها مواقع عسكرية إيرانية ومنشآت لها صلة بالبرنامج البالستي الإيراني، وهو ما رجحته المصادر المعتمدة في التقارير التي لا تحمل الكثير من التفاصيل العملياتية التي لا تزال إلى اليوم محل غموض، ولا يكشف عنها إلا ما يعلنه ترامب من تلميحات، سواء في تدوينته أو في تصريحاته التي حملت إشارة إلى القادة الجدد لإيران والفرصة التي أتيحت لهم للذهاب إلى صفقة.
لينظر إلى الحدث من زوايا متعددة، من بينها محاولة فهم استراتيجية ترامب في إدارة المفاوضات عبر الضغط والتهديد، ومن زاوية تأثير التصريح على سوق الطاقة والتراجع الطفيف في أسعار النفط. أما العنصر الأساسي في التدوينة، وهو الإشارة إلى الطلب الخليجي، فقد اقتصر التعاطي معه على المعالجة الخبرية، من إشارة إلى هوية القادة الخليجيين والدول التي تحركت من أجل إقناع ترامب بعدم توجيه ضربة عسكرية إلى إيران.
ليعلن أن القادة هم كل من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، ثلاثي ينقل أنهم اتصلوا بالإدارة الأمريكية مطالبين إياها بعدم استئناف الحرب في المنطقة، التي تمثل بالنسبة إليهم انفجارا إقليميا لا يمكن احتواؤه ولا احتواء تداعياته على الخليج اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا.
هذه التفاصيل التي تداولتها وسائل إعلامية عربية كبرى أيضا، كشفت أن المهم في التدوينة ليس القرار ذاته، أي ليس قرار تأجيل الضربة، بل الدلالة السياسية التي حملتها، وكشفت عن بداية تحول طال هندسة النفوذ في العلاقات الخليجية الأمريكية، فاستجابة الرئيس الأمريكي للطلب الخليجي هذه المرة بعدم التصعيد ومنح مهلة زمنية جديدة، هي محاولة أمريكية لاحتواء قلق الحليف الخليجي المتنامي من طبيعة التحالف الذي يجمعهم، ومن موقع الخليج في استراتيجية البيت الأبيض.
إذ يبدو أن الخليج الذي تأثر بشدة من الحرب، سواء بتعرضه للهجمات الصاروخية الإيرانية أو بتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، لم يتحرك اليوم فقط من أجل تمديد هدنة وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران، بل من أجل اختبار موقعه في المعادلة الإقليمية ومدى قدرته على فرض تعريف للتحالف الذي يربطه بأمريكا يخدم مصالحه أيضا.
خطوة أعلنت بدورها عن متغير جديد طال التصور الخليجي لطبيعة علاقته مع إيران ورؤيته للحرب الأمريكية الصهيونية ضدها، إذ يوحي طلب تأجيل توجيه ضربة بأن دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، لم تعد تنظر إلى الحرب على أنها فرصة مناسبة لإعادة ترتيب توازنات المنطقة واحتواء إيران، بل باتت تصنفها على أنها خطر وتهديد مباشر عليها. فهذه الدول التي كشف في بداية الحرب أنها شجعت إدارة ترامب على خوضها وعلى الصدام مع النظام في طهران، على أمل حسمها سريعا بسقوط النظام أو تقديمه لتنازلات تاريخية في علاقة بحلفائه في المنطقة.
لكنها اليوم، وبضغطها في اتجاه عدم استئناف الحرب، تكشف أنها عدلت من موقفها وقراءتها، وباتت تنظر إلى الأزمة من زاوية مالية اقتصادية بالأساس، فدول الخليج تدرك أن عدم الاستقرار يكلفها الكثير اليوم وغدا، فغلق الممر البحري أمام حركة الطاقة أخطر عليها من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، ولذا فإنها تعتبر أن المكسب الأمني والعسكري الممكن تحقيقه في هذه الحرب لا يغطي الخسائر الاقتصادية والمالية.
لذا يبدو أنها فضلت أن تؤمن استقرارا يمنح هامشا من الأمن الاقتصادي على مواجهات عسكرية لا تحقق أية أفضلية استراتيجية في المدى المنظور، لاسيما وأن النظام الإيراني امتص صدمة الحرب الأولى بسرعة، واستعاد توازنه، ونجح في إدارة حربه والمفاوضات طوال هذه الفترة دون أي تنازل أو تراجع، مما يعني بالنسبة لدول الخليج أن الإدارة الأمريكية، وإن كانت هي من أعلنت الحرب، إلا أنها لا تمتلك اليوم قدرة على ضبط سقف لها أو آجالا لنهايتها.
وطالما أن الحرب لن تسقط النظام الإيراني ولن تنهي برنامجه النووي أو الصاروخي، فإن هذه الدول ترى أن من مصلحتها اليوم الذهاب إلى معادلة جديدة يتعايش فيها الخليج ودوله مع إيران، فهذه الدول التي ضخت وتضخ اليوم مليارات الدولارات في اقتصاداتها لخلق بيئة استثمارية، ليس من مصلحتها عدم استقرار المنطقة أو أن تسود حالة من الشك وعدم اليقين في المستقبل. وإن الخيار الأفضل اليوم لإيران والخليج نفسه هو الوصول إلى التعايش الذي يمنح طهران موقعا في المعادلة الأمنية الإقليمية ومكاسب سياسية مقابل تنازلات منها لفائدة دول الخليج.
وهذا ما تؤسس له تدوينة ترامب، فالرجل وهو يعلن عن تأجيل ضربته العسكرية أعلن عن تغيير في الموقف الخليجي، وكشف أن حلفاءه باتوا ينظرون إلى القوة الأمريكية بشك وخوف، وهم يسعون جاهدين إلى ضبط ارتداداتها عليهم قدر الإمكان، وإن اقتضى الأمر أن يتعايشوا مع طهران.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115