كل من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم لتعلمهما بتعذر حضور الوزراء والمديرين العامين إلى أشغال الجلسات العامة واللجان طوال شهر ماي نظرا لالتزامات حكومية، أننا أمام إعادة ضبط للنظام السياسي ولموقع البرلمان بغرفتيه داخله.
فالمراسلة التي وجهت يوم الثلاثاء الفارط 5 ماي الجاري، والتي كشف عنها نواب بالمجلس التشريعي، ليست مجرد وثيقة إدارية تقنية هدفها تخفيف الضغط على رزنامة عمل الحكومة وطلب تعديل رزنامة البرلمان على ضوء ذلك، فهي وكيفما قلبتها وثيقة سياسية تعلن عن تصور السلطة التنفيذية لموقع الغرفتين التشريعيتين في النظام السياسي، فهي مؤسسات «داعمة» لا قدرة لها على إنتاج التوازن ولا دور لها في إدارة السياسات العمومية، وبالتالي فإن تغيبها أو تهميشها وإن كان ظرفيا لا كلفة سياسية له.
فما يحمله مضمون المراسلة هو تصريح مباشر من الحكومة بأنها لن تستجيب لأي من الدعوات الموجهة إليها للحضور سواء في أشغال اللجان أو الجلسة العامة ليوم 18 ماي الجاري التي سبق وأعلن عنها المجلس وخصصها لتوجيه أسئلة شفاهية إلى وزير التربية. وهو ما يعني أنها لا تمنح المجلس اعترافا سياسيا بسلطته عليها أو أنه تحت طائلة صلاحياته المحددة دستوريا.
فالنظام السياسي الذي تتحرك وفق قواعده الحكومة والمجلسان، ورسم إطاره دستور 2022، لا يقوم على تعدد مراكز التأثير والقرار، بل يقوم على سلطة تنفيذية مركزية يمكنها أن تدير الدولة ومؤسساتها دون الحاجة إلى مؤسسات يبدو أنها تراها تمثل عبئا إجرائيا وسياسيا، خاصة بعد المشادات بين عدد من النواب وممثلي الحكومة في جلسات الاستماع أو المصادقة على مشاريع قوانين.
جلسات باتت مشهدية تروج لخطاب حاد، إما ناقد للحكومة ومن خلفها رأس السلطة التنفيذية، أو داعم لها ومساند ولكن بآثار عكسية. باتت السلطة منزعجة وغاضبة منها، لأنها ترسخ انطباعا مغايرا كليا عن فلسفة الحكم والنظام السياسي الذي تسعى إلى ترسيخه، والذي يوحد مراكز القرار والسلطة في يد رئاسة الجمهورية ويرفض حتى التقاسم الرمزي للحكم، وهي فلسفة باتت أشغال مجلس النواب بالأساس تقوضها وتقوض الصورة الذهنية التي تسعى إلى ترسيخها في أذهان التونسيين.
فمجلس النواب الذي ينظر إليه اليوم من قبل بعض من أعضائه أو متابعين للشأن العام على أنه هو المستهدف الرئيسي بالمراسلة والمعني برسائلها السياسية المبطنة، سعى منذ بداية السنة الراهنة إلى ترسيخ نفسه في مشهد الحكم، ووظف في ذلك آلية جلسات الحوار التي ينص عليها الدستور ونظامه الداخلي، بهدف مساءلة الحكومة وخياراتها السياسية وانتقادها بحدة وتحميلها مسؤولية غياب المنجز الاقتصادي والاجتماعي.
جلسات بلغت من الحدة أقصاها في جلسة المصادقة على قانون منح لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، التي شهدت انتقادات للسلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة ووزارة الإشراف بالتفويت في السيادة الوطنية والعمل ضد مصالح البلاد، وهو ما استوجب تدخلا من رئاسة الجمهورية للرد، وإن بشكل غير مباشر، على هذه التهم، قبل أن يتم احتواء الجدل والسجال وينخفض منسوب التوتر بين المجلس والسلطة.
هذه السلطة التي، وعبر مراسلتها اليوم إلى البرلمان، قد وجهت له رسالة، أول عناصرها أن هناك عدم رضا عن أشغاله ومحاولته الخروج عن ثوابت النظام السياسي والصلاحيات الموكولة إليه ومحاولته لعب أدوار سياسية متقدمة. وذلك لا يعني أن السلطة ترى في البرلمان معارضا شرسا أو منافسا لها، ولا تعتبر أن ما يحدث يرتقي إلى أن يكون أزمة مؤسسات أو حتى صراع صلاحيات، بل ما تريد السلطة ترسيخه لدى البرلمان ونوابه أنه أقرب إلى مؤسسة بروتوكولية محددة الدور وغير ضرورية لإدارة البلاد سياسيا، ودليلها على ذلك أنها تستطيع الامتناع عن الحضور إلى أشغال البرلمان لمدة شهر وتغييبه عن الساحة.
مراسلة الحكومة إلى المجلسين بالغياب شهرا: إعادة ضبط الدور والصلاحيات
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 08/05/2026
- 31 عدد المشاهدات
تكشف المراسلة الإدارية التي وجهتها الحكومة إلى