هل ينهي الكيان الصهيوني الهيمنة الأمريكية؟

قد يبدو العنوان غريبا للوهلة الأولى فكيف للابن

المدلل أن ينهي هيمنة راعي وحشيته وعنجهيته وسياسته الابادية؟ ثم ألم يثبت التحالف الصهيو-أمريكي أنه القوة العسكرية الأولى في العالم بلا منازع وأنه لا حدّ لقدرته التدميرية؟

يقول القدامى الشيء إذا وصل إلى الحدّ انقلب إلى الضدّ وهذا ما يبدو أنه بصدد الحصول الآن في هذا الاعتداء الثنائي على إيران والصهيوني خاصة على لبنان على امتداد هذين الشهرين الأخيرين..

من العناصر التي ساهمت في الهيمنة شبه المطلقة للولايات المتحدة هو موقفها من الحربين العالميتين، ففي الأولى دخلت أمريكا الحرب في 6 افريل 1917 أي بعد حوالي ثلاث سنوات من اندلاعها وفي الثانية يوم 8 ديسمبر 1941 اثر الهجوم الياباني على بارل هاربور ..أي أنها دوما نأت بنفسها من حروب أوروبا المدمرة وهذا ما يفسر تقهقر الإمبراطوريتين الاستعماريتين الأوروبيتين: فرنسا وبريطانيا وانفراد أمريكا بالريادة الغربية ثم العالمية منذ أواسط الحرب العالمية الثانية..

ولكن تورط الولايات المتحدة في حرب الفيتنام كاد أن يعيد الولايات المتحدة لأخطاء الإمبراطوريات الأوروبية وبعدها سعت أمريكا لأن تكون حروبها خاطفة وبالضربة القاضية..ولكن رغم هزمها لنظام طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق لكن القوة العسكرية الأولى في العالم «أعادت» أفغانستان إلى طالبان بعد عقدين من الزمن وسمحت لأحد أعدائها اللدودين بإيران بإيجاد مواطئ قدم عدة في بلاد الرافدين..

وأيا كان من أمر فهذه الحروب أرادتها أمريكا خدمة لما تعتبره مصالحها الإستراتيجية في العالم.. الحرب على إيران من صنف مختلف، فهي أول حرب يقررها الكيان الصهيوني ويدفع إليها الإدارة الأمريكية دفعا بينما كان البيت الأبيض يفرض على حليفه المدلل بألا يطلق رصاصة واحدة في الحربين التي شنتهما على العراق.. لقد صور ناتنياهو هذه الحرب لراعيه باعتبارها نزهة مزدوجة وأن إيران ستعود إلى «العصر الحجري» وأن هذا الخطر الوجودي (لدولة الكيان لا للولايات المتحدة) سوف يزول نهائيا..

لقد ألحق هذا العدوان الثنائي أضرارا فادحة بايران وقتل قيادات الصف الأولى ودمرّ بنى ومنشات...ولكنه لم يتمكن من تركيع إيران ونظامها ومختلف قواتها المسلحة ولم تتنازل إيران عن أي شيء ولم تترك بذلك أمام الولايات المتحدة سوى إحدى الخيارين: انسحاب مذل أو عودة الى الأعمال الحربية دون وجهة معلومة خاصة وأن كل الخبراء يستبعدون تماما إمكانية اجتياح بريء ..واستمرار الحرب بقصف الطيران من جهة مقابل الصواريخ والطائرات دون طيار مع شبه التوقف التام للملاحة البحرية في مضيق هرمز ستكون له كلفة مالية وسياسية باهظة لساكن البيت الأبيض.

ولا نخال الكيان المحتل سيقف عند هذا الحد فبعد هذا العدوان على دولة لا تجاوره سوف يسعى اليوم وغدا ان يدفع دفعا عرابه الأمريكي لخوض حروبه الخاصة.. أي الحروب أمام كل دولة تظهر عداء لإسرائيل ولها إمكانيات عسكرية مهمة وتقع على بعد ثلاثة أو أربعة آلاف كيلومتر والمقصود هنا كل البلاد العربية في الشرق الأوسط لو توفر في أحدها هذان الشرطان غدا وخاصة سوريا والعراق والسعودية ومصر مع البلدان الإسلامية التي تقع شرق فلسطين المحتلة وخاصة إيران وتركيا، ولم لا غدا باكستان – أو غيرها- لو طورت ترسانة هجومية تقدر «إسرائيل» أنها تمثل خطرا على أمنها.

العقيدة الأمنية الصهيونية تقوم فقط على التفوق العسكري المطلق  لا فقط على بلدان الشرق أي لبنان وسوريا والأردن ومصر بل على أوسع شعاع ممكن وهي وإن لا تحتاج لتدخل أمريكي مباشر لتصفية حركات المقاومة في فلسطين ولبنان بل تحتاج فقط الدعم اللوجستي والإمداد بالذخيرة والحماية السياسية والدبلوماسية لكن الأمر مختلف لما يتعلق بدولة غير حدودية لها ترسانة حربية معتبرة كما هو حال إيران، فالتدخل الأمريكي المباشر هو شرط إمكان كل عمل عسكري، ونحن نعلم أن إسرائيل سعت إلى ضرب إيران منذ انتصاب الجمهورية الإسلامية فيها ولكن لم تجد  إلى الآن رئيسا أمريكيا يقبل بهذه المغامرة والأكيد أنها سوف تسعى لتعداد الكرة كلما رأت حاجة لذلك..

الجديد هنا هو أن تتحول القوة الأولى في العالم إلى شبه أداة إسرائيلية وأن تحشر نفسها في حروب بعيدة لا يكفي فيها تفوق العتاد والعدة.. ولو سارت الولايات المتحدة في هذا النهج فهي ستلقى حتما مصير الإمبراطوريات السابقة خاصة وأن القوى الصاعدة في العالم – وعلى رأسها الصين- ستسعى بدورها إلى إضعاف أمريكا بكل الطرق والوسائل دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معها.. 

لقد أريد للكيان المحتل أن يكون رأس حربة المصالح الغربية في المنطقة، لكنه أضحى اليوم عبئا أخلاقيا وسياسيا وعسكريا على الدول الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة..

ولكن يبدو أن كبريات الدول الغربية لن تتفطن لخطورة هذا الوضع الجديد إلا بعد فوات الأوان..تلك هي إحدى حيل التاريخ

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115