الوفد الأمريكي والإيراني إلى بلديهما، معلنين عن فشل الجولة الأولى، خبر لولا تصريحات دونالد ترامب وتدويناته على منصته تروث، كان يقرأ في سياق التفاوض وما يكتنفه من صعوبات وتعثر في ظل تناقض مصالح الطرفين، لكن كلمات ترامب جعلت من العثرة أقرب لنهاية مسار التفاوض، فالرجل اختار الذهاب إلى التصعيد الخطابي والميداني.
ففي كلماته أعلن ترامب عن غلق باب التفاوض وأفقه، من خلال رفع سقف المطالب إلى حده الأقصى، فهو لا يقبل بأن تتنازل إيران بنسبة 90 بالمئة أو 95، هو يقبل فقط بتحقيق 100% من الشروط ومطالبه، إما ذلك أو فإنه يعد إيران بالحجم مرة أخرى، كلمات توحي بأن الوفد الإيراني في باكستان قدم تنازلات عدة لنظيره الأمريكي، ولكن نقطة أو اثنتان هما ما حال دون الوصول إلى اتفاق.
هذا المشهد الذي يرسمه ترامب تلميحا وتصريحا، يتضمن في خلفيته ما تعتبره الإدارة الأمريكية انتصارا عسكريا ساحقا، وتدمير قدرات إيران البحرية والجوية وغيرها من النجاحات العسكرية التي تترجم على أرض الواقع بأن إيران في موقع ضعف في المفاوضات ولا تمتلك أوراق ضغط لتناور الإدارة الأمريكية كما صرح ترامب نفسه، وعليه فهي مطالبة بالرضوخ الكلي والتام.
إنكار أية أفضلية لإيران في المشهد الراهن وفي المفاوضات لا يعني أن الرئيس الأمريكي يغفل عن ورقة مضيق هرمز، بل هو يلغيها بإشارته إلى أنه أصدر تعليمات للقوات البحرية الأمريكية بأن تحاصر المضيق وتمنع أي سفينة تدفع رسوما للإيرانيين من الإبحار عبره، بل وكلف البحرية بملاحقة السفن التي دفعت الرسوم قبل تصريحه، الذي يعلن من خلاله ترامب أن المضيق سيكون مغلقا كليا وليس جزئيا، ويرى في هذه الخطوة إلغاء كليا لورقة المضيق من يد إيران وضغطا عليها وعلى الدول الداعمة لها والحليفة معها.
هذا التصعيد من قبل الرئيس الأمريكي ليس تفصيلا في المشهد بل هو مؤشر تحول في طبيعة إدارة الحرب والمفاوضات التي استمرت لساعات عدة دون اختراق يقرب وجهات النظر، لتنهار لاحقا لا بسبب تفصيل تقني بل لعمق الفجوة بين تصورين متناقضين، واشنطن تفاوض لمنع إعادة ضبط الشرق الأوسط ولحماية مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل، بينما طهران تفاوض لتثبيت موقعها كقوة ردع إقليمية لن تقبل بأن ينتزع منها بالمفاوضات بعد ما عجزت عنه الحرب.
هذه الصورة التي ترسمها تصريحات ترامب الباحثة عن احتكار السردية وتسويق فشل المفاوضات كما لو أن السبب يكمن في تعنت الطرف الآخر أو افتقاره للأوراق، تصطدم بما حمله التصريح نفسه من تناقض، فالرئيس الأمريكي وهو يرفع سقف مطالبه يكشف بأن إيران ليست في وضع تعنت أو ضعف دون أوراق ضغط، وإلا لقبلت واستسلمت في إسلام آباد ولم تقدم هي الأخرى شروطها.
كما أن التصعيد الخطابي للرئيس الأمريكي وتهديداته للإيرانيين تكشف عن خلل في سردية النصر العسكري الذي عجز أصحابه عن ترجمته إلى مكاسب سياسية في المفاوضات، يبين حدود المنجز العسكري وحدود القوة الأمريكية التي لم تنتج في الحرب ضد إيران إطارا تفاوضيا يمنح أفضلية للأمريكيين، بل بات عبئا استراتيجيا، يتمثل في تحديد الخطوة القادمة أو الخيار العسكري القادم لدفع إيران إلى الاستسلام، فاليوم وبعد تقييم رسمي بنجاح العمليات العسكرية الأمريكية ورغم ذلك فشل المفاوضات، سيجعل الخيارات المتبقية محدودة وبتكلفة عالية، والأهم قد لا تمتلك أمريكا اليوم أدوات لتنفيذها وإحكام السيطرة على مجريات الحرب.
من ذلك التلويح بمحاصرة مضيق هرمز، ومنع السفن التي تمر بالتنسيق مع إيران من الإبحار أو مطاردتها واستهدافها، هذا التهديد محكوم بتناقض بنيوي، فهو سيعمق من الارتدادات الاقتصادية للحرب أكثر مما يسحب من إيران ورقة ضغط أو مكاسب مالية، ولا يضمن انخراط الدول الغربية والآسيوية في الحرب وجهود فتح المعبر، ناهيك عن تحالف عسكري ضد إيران، وهذا أيضا يكشف عن أن لجوء الإدارة الأمريكية لورقة المضيق بين محدودية خياراتها وحالة الانسداد التي باتت تواجهها.
في المقابل، يكشف الأداء الإيراني في التفاوض وإدارة ما بعد فشل المفاوضات عن نمط مختلف من إدارة الحرب، فالجلي أن إيران لا تسعى إلى انتصار عسكري في الحرب بل إلى منع أمريكا من تحقيق النصر أو الخروج من الحرب دون تنازلات، فإيران هنا تراهن على أن الوقت كفيل بإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، لذلك فهي تحتفظ بورقة ضغطها الأقوى وهي إطالة أمد الحرب وحالتها السائلة وتعقيدها، مما يجعلها غير مستعجلة على الوصول إلى صفقة.
مما يعني أن المنطقة لن تشهد استقرارا أو نهاية للحرب، ولكنها في المقابل لن تتجه إلى استئناف الحرب اليوم وهنا، بقدر ما هي متجهة إلى إعادة إنتاج التوترات بصيغ أكثر تعقيدا، إلى حين توفر شروط نجاح المفاوضات، وهذا يجعل الزمن السياسي والعسكري في المنطقة أقل قابلية للتنبؤ.
تعثر مفاوضات اسلام اباد التصعيد الخطابي يكشف عن عمق الأزمة الأمريكية
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 13/04/2026
- 25 عدد المشاهدات
تعثرت مفاوضات إسلام آباد وعاد كل من