أول احتكاك بين المكتب التنفيذي الجديد والسلطة: هل تلتقط رسائل التهدئة؟

نقترب من نهاية الاسبوع الثاني على اختتام

أشغال مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل، في ظل صمت لافت من قبل السلطات الرسمية التي لم يصدر عن اي منها إلى حدود اليوم تهنئة رسمية للمكتب التنفيذي والأمين العام الجديد. وهذا ليس مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل مؤشر سياسي في سياق يتسم بإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والمنظمات الوطنية، حيث لم يعد الاعتراف الرمزي مسألة شكلية، بل جزءا من معادلة العلاقة بينهما.
صمت يبدو ان المكتب الجديد للاتحاد التقطه وفهم رسائله المشفرة، وعلى ضوئها يبدو انه اتخذ خيارا تجنب الصدام او توتير العلاقة اكثر، وهذا ما تشير اليه خطواته التي اتخذها في علاقة بالإضراب العام لقطاع التعليم الثانوي الذي تم يوم امس، فالمركزية النقابية وان لم تعلن عن اي موقف صريح، الا انها وبخيار عدم توظيف الاضراب كمحطة لإبراز القوة او توجيه رسائل كشفت عن نيتها تهدئة المناخ بينها وبين السلطة.
تهدئة تقوم على توازن يحقق هدفين، نجاح الاضراب وان كان محدود، وهو ما تم يوم امس بتسجيل نسبة نجاح تقارب 70% وفق تصريحات جامعة التعليم الثانوي، وتوجيه رسالة حسن نية للسلطة تبدى فيها ميلا الى تهدئة الاجواء لفسح المجال امام فرصة للحوار.
وهذا ما كان لافتا في اضراب يوم امس، والقصد هنا ليس نسبة النجاح بل الكيفية في ادارة الإضراب، غياب التعبئة المكثف في الأيام الأخيرة، محدودية الخطاب التصعيدي المركزي، منح الهياكل القطاعية هامش للتحرك مشروط بعدم الانتقال بالإضراب إلى معركة وطنية جامعة.
وهنا تتشكل رسالة الاتحاد: إضراب ناجح نسبيا لكن دون بلوغ ذروة التعبئة. بما يوحي بأننا أمام اختيار واعٍ للتحكم في منسوب التصعيد والتوتر بين السلطة المركزية النقابية الجديدة التي يبدو انها اختارت إدارة التوتر فجعلت من الإضراب أداة ضغط محسوبة، فهي تعلن ضمنيا عبره ان ادواتها الاحتجاجية ناجعة وناجحة حتى وان لم تسخر لها قدرتها التعبوية، وهي تبدي من خلالها حسن نوايا تجاه السلطة والبحث عن ارضية مشتركة للالتقاء وتجنب اي صدام مبكر مع السلطة.
هذا السلوك الذي ينتهجه المكتب التنفيذي للاتحاد متصل بسياقه العام، قنوات تفاوض معطلة منذ سنوات، وسلطة لا تبدى ادنى استعداد للحوار الاجتماعي، وتاكل في البيت الداخلي وازمات عدة تجعل من المناخ الذي ينطلق فيه عمل المكتب الجديد مشحون يستوجب البحث عن تهدئة مع السلطة والداخل، كخيار تكتيكي قد يفضي الى اختراق جدار الانغلاق الذي نصبته السلطة.
وهو ما يشكل هامش ضيق يتحرك فيه المكتب التنفيذي الجديد، عبر خفض منسوب التوتر دون أن التخلي كليا عن أدوات الضغط، في رهان هدفه خلق فرصة ولو محدودة لاستئناف التفاوض بعد سنوات من التعليق. لكنه رهان غير مضمون النتائج، فخطوة الاتحاد التكتيكية حملت إشارات موجهة للسلطة التي ستكون خطواتها القادمة ذات أهمية بالغة لمعرفة كيف ستتفاعل مع الدعوة الضمنية للتهدئة والحوار، سواء بالتقاط الفرصة والاستفادة منها في ظل سياق دولي واقتصادي معقد سيؤثر على المناخ الاجتماعي الداخلي او بالبقاء على نهجها الرافض للحوار والتفاوض.
وهو ما يجعلنا امام لحظة إعادة تموضع بين طرفين، اتحاد يحتفظ بقدرة تعبئة لكنه يختار توظيفها بحذر والبحث عن تهدئة، وسلطة تمتلك أدوات القرار سبق وتجاهلت إشارات الانفتاح لكنها اليوم تفتقد ترف المخاطرة بتوتير المناخ الاجتماعي وتهيئة بيئة قابلة للانفجار بمجرد انتقال العبء المالي للحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران الى جيب المواطن التونسي عوضا عن المالية العمومية.
السلطة التي تمسكت في سنواتها الثلاثة السابقة بخطابها الاجتماعي ونافست الاتحاد في شرعية ومشروعية رفع المطالب الاجتماعية تجد اليوم نفسها معزولة عن اي امتداد وحزام سياسي واجتماعي، عزلة نجحت الى اليوم في الحد من مخاطرها وارتداداتها لكنها قد تفشل مستقبلا في ظل التحديات الاقتصادية والمالية المتنامية.
واقع يجعل من مصلحة السلطة ان تلتقط رسائل الاتحاد وتتفاعل معها ايجابيا لضمان حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي يمكنه ان يحول دون اي ارتدادات سلبية للصدمات الاقتصادية والمالية المستوردة والناتجة عن الحرب في شرق الاوسط وارتفاع اسعار منتجات الطاقة والغذاء، التي ان انتقلت للداخل التونسي ستهدد السلم الاجتماعي، وهذا الخطر يتضاعف في ظل غياب اي قنوات اتصال بين السلطة ومؤسسات الدولة من جهة وبين المنظمات الاجتماعية والاجسام الوسطية القادرة على لعب دور الوسيط بين الدولة والشارع وتأطير الاخير لمنع انفلات الامور.
الامر الان موكول للسلطة ولقدرتها على التقاط اللحظة وحسن تقدير الامور.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115