الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران في شهرها الثاني: التيه الاستراتيجي

تقترب الحرب ضد إيران من بلوغ نصف شهرها الثاني

دون أي أفق سياسي واضح للإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال اللتين شنّتا حربهما ضد إيران بلا خطط أو استراتيجيات للخروج، فهما ذهبتا إلى الحرب مراهنين على أن استراتيجية الصدمة العسكرية التي اتبعتها تقودهما إلى نصر سريع وساحق، لكنهما اليوم وجدتا نفسيهما في "ورطة" عسكرية وسياسية لا يبدو أنهما توصلتا بعد إلى خطط للخروج منها ولتحقيق نصر عسكري حاسم ومكاسب سياسية.
فرغم الخطاب الأمريكي المتمسك بأن العمليات العسكرية حققت أو اقتربت من تحقيق أهدافها التي باتت قائمتها تضم القضاء على البرنامج النووي الإيراني، والقضاء على البرنامج الصاروخي وبرنامج المسيرات، والحد من نفوذ إيران الإقليمي وتغيير سلوك نظامها، وهي قائمة تتبناها الإدارة الأمريكية وتتقاسم جزءا منها مع حكومة الاحتلال التي تتبنى هي الأخرى أهدافا خاصة بها تختزلها في عنوان رئيسي ومركزي وهو إعادة إيران إلى العصر الحجري لضمان عدم تمثيلها أي تهديد حاضرا ومستقبلا.
هذه الأهداف التي تسعى إدارة ترامب إلى أن تسوق للداخل الأمريكي وللعالم أنها حققت تقدما في بعضها وأنجزت بعضها، هي ما يعكس إلى جانب الخطاب الرسمي حجم الورطة الأمريكية اليوم في إيران، فالاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في الحرب التي اندلعت نهاية فيفري الفارط قامت على مبدأ الصدمة العسكرية، أي توجيه ضربات جوية كثيفة وعنيفة ضد قائمة من الأهداف التي تعتبرها الإدارتان ذات ثقل عسكري وسياسي يمكن للقضاء عليها أن يحدث صدمة، فتم توجيه ضربات دقيقة ومركزة ضد البنية القيادية والعسكرية الإيرانية بهدف شل قدرة النظام على اتخاذ القرار وإرباك تماسكه الداخلي وفتح نافذة ضغط قد تدفعه إلى تغيير سلوكه الإقليمي أو تقديم تنازلات سياسية.
ولئن تضاربت عناصر الخطاب الأمريكي والإسرائيلي في علاقة بهدف إسقاط النظام، إلا أن الإشارة إلى إضعاف النظام والمراهنة على إسقاطه بتحركات من الداخل كانت جزءا شبه قار في خطاب الإدارتين في الأسبوع الأول من الحرب التي باتت اليوم لا تتضمن هدف إسقاط النظام بشكل مباشر وسريع، بقدر ما باتت تتبنى هدف فرض واقع استراتيجي جديد يتغير فيه سلوك النظام الإيراني.
هذه المقاربة اصطدمت بسرعة بواقع مغاير تمثل في قدرة النظام الإيراني على امتصاص الضربة وإعادة تنظيم هياكله القيادية في وقت قياسي، وهو ما أربك حسابات الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال اللتين باتتا اليوم تشيران إلى أنهما أسقطتا النظام الإيراني، وحجتهما أن قيادته اليوم جديدة كليا، غافلتين أو متجاهلتين حقيقة أن إيران، بحكم طبيعة بنيتها المؤسسية المركبة، لا تعتمد على مركز قرار واحد، بل على شبكة متداخلة من المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، ما جعلها أقل عرضة للانهيار نتيجة الضربات أو لحدوث شغورات في منصب واحد أو في كامل الصف الأول للقيادة.
خاصية مكنت النظام الإيراني من استعادة استقراره بسرعة وامتصاص الصدمات التي ساهمت، مع تعزز التماسك الداخلي الإيراني، في إسقاط الرهان الضمني الأمريكي الإسرائيلي على حدوث تفكك داخلي أو حراك معارض واسع يفجر الداخل، مما منح النظام الإيراني القدرة على إطلاق هجومه المضاد وتصعيد عملياته والتدرج في الضغط العسكري على كامل المنطقة.
وأمام هذا الفشل في تحويل التفوق العسكري الأولي إلى نتيجة سياسية ملموسة، ووحدة الرد الإيراني الذي لا يزال مستمرا بتوجيه رشقات صاروخية إلى الأراضي المحتلة أو إلى أهداف ومصالح أمريكية في الخليج العربي، انتقلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى نمط تصعيدي مختلف يقوم على توسيع بنك الأهداف ورفع كلفة الحرب على الخصم، والمراهنة على أن يجبر ذلك النظام على الاستسلام أو يدفع بالداخل الإيراني إلى الانفجار.
تصعيد وإن قدم اليوم من قبل قادة القوات العسكرية المهاجمة على أنه استراتيجي يهدف إلى إضعاف قدرة إيران على الاستمرار في الحرب ودفعها نحو التراجع، إلا أنه يكشف عمق الارتباك وغياب أي خطط بديلة للخطة الرئيسية التي فشلت، فالتصعيد المتبع اليوم هو توسيع لرقعة الدمار ويكشف عن محاولة لنسخ سياسة الأرض المحروقة المتبعة في غزة ضد كل من إيران وجنوب لبنان اليوم، وهو تجاوز لكل الخطوط الحمراء والقوانين والأعراف الدولية.

فقائمة أهداف الحرب باتت تتضمن منشآت حيوية إيرانية بهدف رفع كلفة الصراع على إيران التي انتهجت سياسة مماثلة، لتتحول معها الحرب إلى نموذج استنزافي مفتوح يصعب فيه تحقيق انتصار حاسم ونهائي، وهو ما يعمق أزمة الإدارة الأمريكية التي باتت اليوم تبحث عن مخرج لها من حرب استنزاف عبر البحث عن أي مكسب سياسي يبرر انسحابها قبل أن تتورط أكثر في الحرب ويتعذر عليها أن تغادرها أو أن تستمر في نهج الأرض المحروقة.
فهذه السياسة قابلتها إيران بانتهاج سياسة الاستهداف بالمثل، لتعلن أن كل منشآت المنطقة وكل بنيتها التحتية المدنية والعسكرية باتت هدفا لهجماتها الصاروخية ولطائراتها المسيرة، مع التلويح بورقات ضغط أخرى كغلق كلي ونهائي لمضيق هرمز. كما لم تكتف بهذه الردود المباشرة، بل فعّلت استراتيجية "الحرب الشبكية"، مستفيدة من حلفائها الإقليميين ومن توسيع رقعة المواجهة لتشمل عدة جبهات مترابطة، أبرزها الجبهة اللبنانية التي يبدو أنها في طور إنهاك دولة الاحتلال وتصعيد الضغوط عليها لا فقط عسكريا بل سياسيا.
فحكومة الاحتلال التي أطلقت عملياتها الأخيرة ضد حزب الله في الجنوب اللبناني أعلنت أن هدفها هو القضاء كليا على حزب الله، بعد أن سبق وأعلنت أنها قضت على قدراته العسكرية في عملياتها السابقة أو على الأقل حجمت منها، لكنها اليوم تتراجع عن هدف القضاء إلى هدف تقليص الخطر، ومنه إلى هدف جعل الجنوب اللبناني غير صالح للعيش بتدمير ممنهج لكامل البنية التحتية فيه، وهذا مؤشر يكشف بشكل جلي أن حزب الله حافظ على جزء هام من قدرته العسكرية القادرة على أن تمثل خطرا على الاحتلال وعنصر ضغط على الداخل.
حرب باتت اليوم أقرب إلى حرب شاملة تجر أطرافا أخرى إلى أتونها، لتدفع بالمنطقة إلى صراع طويل ومعقد تتزايد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115