الدول العربية والحرب الأمريكية ضد إيران: خرائط الاصطفاف المتحركة

منذ الساعات الأولى للحرب الأمريكية–الصهيونية

ضد إيران، تحوّلت بنية المواقف والاصطفاف العربي إلى معادلة أكثر تعقيدا، تعكس توازنات دقيقة بين ضرورات أمنية وضغوط المصالح الاقتصادية، وتشابك شبكات التحالفات. في تحول فرض على الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، التحرك داخل بيئة إقليمية غير مستقرة وسريعة التغير، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع الهواجس الداخلية.

هذا المشهد، الذي أعادت الحرب رسم ملامحه، يؤكد مرة أخرى أن العالم العربي لا يتحرك ككتلة منسجمة ذات اتجاه واحد، بل يتشكل من وحدات سياسية تتصرف وفق حساباتها الخاصة، وكأنها جزر متباعدة داخل فضاء جغرافي واحد. فالخطاب الظاهري، الذي يوحي أحيانًا بدرجة من التقارب سواء عبر دعوات التهدئة أو بيانات الإدانة أو المواقف الدبلوماسية المتحفظة لا يعكس حقيقة التباينات العميقة في الرهانات الاستراتيجية والمصالح السياسية. ومن هنا، يمكن تحديد أربعة محاور رئيسية تتحرك ضمن اطرها الدول العربية، لكل منها منطقه الخاص وأفقه الاستراتيجي.

أولا دول خليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات والبحرين، التي تلتقي عند مقاربة قائمة على الردع تجاه إيران، انطلاقًا من اعتبارها تهديدًا مباشرا للأمن القومي. غير أن هذا التقاطع لا يخفي اختلافًا في العمق. فهذه الدول، ورغم دعمها السابق لأي مسار يحدّ من النفوذ الإيراني، فضّلت مع اندلاع الحرب الراهنة تجنب الانخراط المباشر أو غير المباشر فيها وظلت في حالة دفاع، واتبعت سياسة تقوم على دعم الردع دون إعلان صريح، مع ترك الولايات المتحدة تدير المواجهة. ويعكس هذا الخيار إدراكًا بأن كلفة الحرب قد تمسّ جوهر نماذجها الاقتصادية القائمة على الاستقرار، وأمن الطاقة، وانسيابية الملاحة البحرية.

كما أن المقاربة السعودية تظل مختلفة في جوهرها، عن المقاربة الاماراتية او البحرينية فهي لا تراهن على انهيار إيران أو تفكك نظامها، إدراكًا لما قد يترتب عن ذلك من فراغ أمني يعيد تشكيل موازين القوة لصالح قوى أخرى، وفي مقدمتها دولة الاحتلال كقوة إقليمية مهيمنة. لذلك يتجه الرهان السعودي نحو احتواء النفوذ الإيراني بدل القضاء عليه، ومنع تمدده في مرحلة ما بعد الحرب. فسيناريو نهاية الحرب عبر تسوية تفاوضية قد يمنح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية تعزز حضورها الإقليمي، وتدعم امتداداتها في العراق واليمن ولبنان، وهي ساحات تعتبرها المملكة جزءًا من مجالها الحيوي. كما لا يمكن فصل هذه الحسابات عن الهواجس الداخلية، خاصة في المنطقة الشرقية، حيث يتقاطع البعد المذهبي مع الثقل النفطي.

المحور الثاني هو محور الاحتواء الدبلوماسي، وتبرز فيه مصر وقطر وسلطنة عمان، إلى جانب الأردن والكويت بدرجات متفاوتة. هذه الدول لا تنظر إلى إيران كحليف، لكنها في الآن ذاته لا تصنفها كعدو مباشر، هذه الدول هاجسها الأساسي هو منع تحول الحرب إلى صراع إقليمي شامل. وفي هذا التموقع تختلف الدوافع فهي أمنية بالأساس لدى الأردن، واقتصادية لدى مصر، ومركبة لدى الكويت التي تخشى مثل مصر تداعيات الحرب على تدفقات الطاقة والتجارة، وعلى استقرار الممرات الحيوية مثل قناة السويس. وتتوجس منثل الاردن من ان يصبح مجالها الجغرافي ساحة لحرب والصراع.

في المقابل، تعتمد كل من قطر وسلطنة عمان مقاربة أكثر مرونة، تقوم على الحياد النشط، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، مع خطاب يميل أحيانًا إلى تحميل مسؤولية التصعيد للولايات المتحدة ودولة الاحتلال بالنسبة للسلطنة وادانة وتعجب من استهداف دول الخليج بالنسبة لقطر. هذا التموضع لا يعكس فقط رغبة في تجنب الاصطفاف، بل أيضا سعيا للحفاظ على دور محتمل في الوساطة، والاستفادة من مخرجات أي تسوية قادمة، دون تحمل كلفة الانخراط في الصراع.

أما المحور الثالث، فيرتبط بمجال النفوذ الإيراني، ويشمل دولًا مثل العراق ولبنان واليمن. غير أن خصوصية هذا المحور تكمن في أن الاصطفاف لا يتم دائمًا على مستوى الدولة كمؤسسة، بل عبر شبكات نفوذ وتيارات سياسية ومجموعات عسكرية تمتلك تأثيرًا فعليًا داخل هذه الدول. وهو ما يخلق وضعًا معقدًا، حيث تتبنى الحكومات مواقف رسمية حذرة، تتجنب العداء المباشر لإيران، بينما تظل بعض الفاعلين الداخليين أقرب إلى دعمها أو تبرير مواقفها. هذه الازدواجية تعكس إشكالية تعدد مراكز القرار، وتفرض على هذه الدول إدارة توازنات داخلية هشة.

في المقابل، تتحرك دول المغرب العربي—تونس، الجزائر، المغرب، وليبيا—ضمن منطق مختلف، أقرب إلى الحياد الحذر. فالبعد الجغرافي، واختلاف أولويات الأمن القومي، يجعلان هذه الدول أقل انخراطًا في ديناميكيات الصراع المشرقي. وقد تجلى ذلك في مواقف اتسمت بالعمومية، حيث تم الاكتفاء بإدانة الاعتداءات والدعوة إلى التهدئة، دون تسمية مباشرة للأطراف. ويبرز الموقف التونسي مثالًا على هذا التموقع البراغماتي، الذي يجمع بين دعم استقرار الخليج وتجنب الانخراط في اصطفافات حادة.

هذه المحاور الاربعة رغم اختلاف منطلقاتها وهواجسها الا انها تلتقي عند إدراك مشترك مفاده أن هذه الحرب تمثل خطرًا مزدوجًا، كلفة اقتصادية متصاعدة، واحتمال انفجار إقليمي واسع. إدراك لم يتحول بعد إلى موقف عربي موحد، بل ظل محكومًا بحسابات ضيقة باتت اليوم تفرض سؤال هل تدفع تطورات الصراع نحو إعادة تشكيل هذه الاصطفافات بشكل أكثر وضوحًا، أم أن منطق التوازنات الحذرة سيبقى الإطار الناظم لسلوك الدول العربية في مرحلة تتسم بسيولة غير مسبوقة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115