فضيحة إبستين: أزمة سلطة وانهيار سردية القيم

لم يهدأ العالم منذ أن أعلنت وزارة العدل الأمريكية

على لسان النائب العام تود بلانش (Todd Blanche)، عن نشر وثائق ملف جيفري إبستين خلال مؤتمر صحفي، إثر استكمال المراجعة القانونية للملف الذي تضمّن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة، وألفي تسجيل فيديو، وما يفوق 150 ألف صورة، وذلك بعد مرور أكثر من شهر على انتهاء المهلة التي منحها الكونغرس الأمريكي للنشر، وفق مقتضيات قانون شفافية ملفات إبستين.

فضيحة هزّت العالم الغربي، والعالم من خلفه، بعدما وجد نفسه أمام مشهد غير مسبوق، نسج فيه رجل الأعمال جيفري إبستين، المدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال، شبكة معقّدة من العلاقات مع صفوة النخب الغربية والعالمية، من المال والأعمال، إلى الأكاديميين والمشاهير والسياسيين، وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في الوثائق التي كانت بحوزة السلطات منذ بدء التحقيقات القضائية قبل أكثر من عقدين، لكنها لم تكن متاحة للعامة قانونيًا حتى مصادقة الكونغرس على القانون في نوفمبر الفارط، بما ألزم السلطات الأمريكية بالكشف عمّا لديها من معطيات حول ممارسات إبستين وشبكته المعقّدة، المشتبه في تورّط بعض أفرادها في اعتداءات جنسية طالت قاصرات.

والفضيحة هنا مركّبة، يتداخل فيها السياسي بالمخابراتي، من زواج المال بالجنس والسياسة داخل شبكة من العلاقات يتصدّر مشهدها إبستين، المشتبه في علاقاته بجهاز استخبارات دولة الاحتلال «الموساد». وهو ما ينقل القضية من حادثة جنائية عابرة يمكن احتواؤها داخل ملف قضائي وإعلان نهايته بوفاة إبستين الغامضة في سجنه، إلى لحظة انفجار تهزّ العالم الغربي وقيمه، وتكشف عن عطب بنيوي عميق في العلاقة بين السلطة والقيم، وبعودة نظام الامتياز والتراتبيبة الاجتماعية الذي يفتح الباب لشبكات مشبوهة تسيطرة على القرار وتوجهه.

فالقضية، في جوهرها، لا تتعلّق فقط برجل متهم بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل بمنظومة كاملة سمحت له بالتحرك والاستمرار والتواري داخل شبكات نفوذ سياسية ومالية وإعلامية، قبل أن تعجز — أو تتورّط في التستّر عليه وضمان إفلاته من المساءلة — طوال عقدين تقريبًا، قبل أن يتغيّر كل شيء سنة 2019، حين ألقي القبض عليه بتهم تتعلّق باستغلال القاصرات، والزجّ به في سجن فيدرالي توفي داخله بعد أسابيع قليلة في زنزانته.

هذا الموت، الذي أعلن رسميا انه انتحار، لم يغلق الملف بقدر ما فتحه على مصراعيه، وخلق هالة كثيفة من الغموض والشك حول ما تخفيه الوثائق، وحول طبيعة الرجل وشبكة ارتباطاته. وهكذا تحوّلت القضية من مسار قانوني ضيّق أريد لها أن تحصر داخله، إلى سؤال سياسي وأخلاقي مفتوح، لا في وجه الدولة الأمريكية ونخبها فقط، بل في وجه المنظومة القيمية الغربية برمّتها. لم تعد القضية هنا مسألة قانون جنائي، بل باتت سؤالا عن طبيعة السلطة ذاتها، وعن منطق اشتغالها الحقيقي.

فالسلطة، كما تكشف هذه الملفات، باتت تعمل وفق شبكة تراتبية من العلاقات المتداخلة، يتحوّل فيها المال إلى رأسمال سياسي، وتتحوّل القرابة من مراكز القرار إلى حصانة ونفوذ. لتتجلى بوضوح أزمة التراتبية وكيف يكيَّف وضع فرد ما وفق الموقع داخل السلم الاجتماعي والسياسي. وهذا الامتياز الذي لم يعد استثناء سمح بتشكل شبكة علاقات ونوفذ قوية ومعقدة متداخلة عابرة للحدود.

في هذا السياق، لا يبدو إبستين مجرد لغز فردي لرجل استطاع، بفضل موقعه داخل شبكة النفوذ، أن يتحرّك لا في هامش السلطة، بل في مركزها، وأن ينسج علاقات عابرة للحدود، بل هو سؤال اخلاقي وسياسي لا يمكن اختزاله في «الاستثناء الأمريكي»، فهذا ي قدم قراءة مريحة لكنها مضلّلة، تحول دون ادارك الخلل البنيوي الذي اصاب الديمقراطيات الليبرالية التي باتت تشتغل وفق تراتبية اجتماعية وسياسية تتناقض مع خطابها المعلن.

فالقضية هي أزمة قيم ومعنى. فالرواية الغربية التي بشّرت بتجاوز منطق الامتياز، وبأن القانون أصبح المرجعية العليا، تتصدّع تحت وطأة الوقائع. حين تكشف هذه الشبكات دون محاسبة واضحة، يتحوّل الشك إلى وعي جمعي، وتفقد القيم قدرتها على الإقناع، لا لأنها خاطئة في ذاتها، بل لأنها انتقائية في تطبيقها. وهذا ما كشفته معالجة قضية إبستين التي اريد لها ان تختزل في كونها انحراف فردي، في شكل من أشكال التواطؤ الرمزي مع هذا الخلل البنيوي.

وهنا يتقدّم البعد السياسي للقضية بوصفه التحدي الأخطر للنخب الغربية الحاكمة. فملفات إبستين لا تحرج أفرادا بعينهم بقدر ما تضع الطبقة السياسية والاقتصادية برمّتها أمام امتحان غير مسبوق، امتحان المصداقية. النخب التي بنت شرعيتها على خطاب القيم، وحقوق الإنسان، وعلوية القانون، تجد نفسها اليوم مطالبة بتفسير الفجوة بين ما تعلنه وما تمارسه، وبين ما تطالب به الآخرين وما تتسامح معه داخل فضائها الخاص بخيار سياسي لحماية التراتبية القائمة.

على هذا الأساس، تتحوّل القضية إلى عامل ضغط داخلي يعيد ترتيب العلاقة بين المجتمع والنخب. فالثقة، التي تعدّ رأس المال الرمزي الأهم في الديمقراطيات الليبرالية، تتآكل كلما بدا أن المحاسبة تتوقف عند حدود معينة. وهذا التآكل لا يهدد حكومات بعينها فقط، بل يطال النموذج الغربي نفسه بوصفه مرجعا أخلاقيا ومعياريا

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115