مدن تونس أمام اختبار الطبيعة: حين يفضح المطر هشاشة التهيئة الحضرية

أكدت الأمطار الأخيرة والسيول التي رافقتها ما ترسّخ

خلال السنوات الماضية في العقل الجماعي التونسي، من ميلٍ إلى اختزال كلّ تحدّ، مهما كان مجاله أو عمقه، في كونه مجرّد لحظة اضطراب وأزمة عابرة. ونادرا ما جرى التعامل مع هذه اللحظات بوصفها نوافذ لإعادة التفكير في الخيارات والسياسات التي قادت، بتراكمها، إلى أزمات متشابكة ومتعدّدة المستويات.

وهو منطق بات من الضروري اليوم وضع حدّ له، عبر القطع مع أسلوب التعاطي مع ملفات السياسة العمومية بمنطق “رجل الإطفاء” المنغمس في تدبير اللحظة الراهنة، دون مساءلة الأسباب البنيوية، والنظر إلى ما نواجهه باعتباره فرصة لمراجعة جذرية لسياساتنا العمومية.

ما قدّمته أمطار الأسبوع الفارط لم يكن حدثا مناخيا معزولا، بل تحذيرا صريحا من أن الاستمرار في المعالجات الترقيعية للاختلالات الهيكلية لن يغيّر من واقعنا شيئا، بل سيعمّق الأزمة ويرفع كلفة الإصلاح مستقبلا. فالمسألة لا تختزل في الخيارات التي اعتمدتها السلطات لمعالجة تداعيات الفيضانات الأخيرة، سواء تعلّق الأمر بتعويض المتضررين، أو بالتدخلات الميدانية لفكّ العزلة عن المناطق التي حاصرتها المياه، أو بغيرها من الإجراءات التي انحصرت، مرة أخرى، في معالجة النتائج لا الأسباب الجذرية.

فبعد مرور أسبوع على السيول التي اجتاحت عددا من المدن التونسية، لم يطرح، على المستوى الرسمي وبشكل معلن، أنّ السلطات استمعت إلى نداءات المختصّين في مجالات المناخ والبيئة والجغرافيا، أو أنّها بصدد فتح ملف التهيئة الحضرية والمخاطر المصاحبة لها بهدف التقييم الشامل والمراجعة العميقة للسياسات التي حكمت هذا المجال لعقود. كما لم يعلن عن استثمار ما كشفته الأمطار من اختلالات لوضع خطة إصلاحية لم يعد من السليم تأجيلها، في ظلّ واقع مناخي متحوّل وتداعيات متوقعة تجعل مراجعة نماذج التهيئة الحضرية، خاصة في الشريط الساحلي وعلى تخوم الأودية، ضرورة لا تقبل المماطلة.

لقد كشفت الأمطار الأخيرة، كما سابقتها في سنوات 2012 و2017، أننا لم نعد إزاء ظواهر مناخية استثنائية وعابرة، ولا أمام منسوب تساقطات خارج عن المألوف فحسب، بل نحن إزاء واقع مركّب، سمته الأساسية أن خطر الفيضانات لم يعد ناتجا عن الأمطار في حدّ ذاتها، بقدر ما هو نتيجة أزمة بنيوية تتعلّق بنموذج التهيئة الحضرية وتمدد العمران في تونس، خصوصا في الشريط الساحلي وعلى مجاري المياه الطبيعية، التي تحوّلت، بقرار أو بإهمال، إلى فضاءات إسمنتية طمست فيها الذاكرة الهيدرولوجية للمجال التونسي.

وقد أسفر ذلك، للأسف، عن تحوّل المدن، ولو نسبيا، من فضاءات أمان وتنظيم إلى فضاءات هشّة لا تصمد أمام اختبار مناخي جدي. وهو ما يؤكده المختصّون الذين يوجّهون أصابع الاتهام إلى الأرض ذاتها، وإلى الخيارات التي راكمتها الدولة والجماعات المحلية على امتداد عقود. فالتوسع العمراني، خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي، جرى في كثير من الحالات خارج منطق التخطيط الوقائي، وعلى حساب الشواطئ والسبخات والأراضي المنخفضة ومجاري الأودية، التي نظر إليها باعتبارها احتياطيا عقاريا متاحا، لا باعتبارها فضاءات حيوية للتوازن البيئي والمجالي.

هذه المناطق، التي تفترض خصائصها الطبيعية الحدّ من أي تمدد عمراني يغيّر من تضاريسها ووظيفتها البيئية، جرى انتهاكها، وتحولت إلى بؤر كثافة سكانية واستثمارية. ونتج عن ذلك مشهد مختل تتقاطع فيه ثلاثة عناصر خطرة: تمدد عمراني أفقي غير مضبوط، تراجع دور السبخات والمناطق الرطبة كمساحات امتصاص طبيعية، وبنية تصريف صُمّمت وفق معايير قديمة لا تراعي تغيّر أنماط الأمطار ولا ارتفاع منسوب البحر.

في الشريط الساحلي، تتجلى الأزمة في صورتها الأكثر تعقيدًا. هنا، تلاقت ضغوط الاستثمار السياحي والسكني مع ضعف الضبط العمراني، فتمدّد العمران أفقيًا على حساب المناطق الرطبة والسبخية التي كانت تاريخيا تمثل صمام أمان طبيعي في مواجهة الأمطار والبحر معا، اضافة الى شبكات صرف قديمة لا تتلائم مع واقعنا اليوم وهو ما أنتج مدنا يسهل محاصرتها بالمياه من الأعلى ومن الأسفل، أمطار غزيرة لا تجد مسالك طبيعية للتصريف، وبحر يعطّل بدوره خروجها. أمّا في المدن الداخلية، فيتخذ المشهد صيغة مختلفة، حيث زحف العمران نحو مجاري أودية موسمية لم يشهد بعضها جريانا للمياه لعقود، ما رسّخ في الذاكرة الجماعية انطباعًا زائفا بأنها أراض صالحة للبناء، قبل أن تستعيد الطبيعة مساراتها بالقوة.

وفي الحالتين، سواء على السواحل أو في الجهات الداخلية، جاءت أمطار غير مسبوقة لتصطدم ببنية صرف ضعيفة أو مهترئة، أنهكها الإهمال وسدّتها الرواسب، فتدفقت المياه باحثة عن مساراتها التاريخية، لكنها وجدت نفسها في مواجهة تمدد حضري أفقي عشوائي أعاق حركتها الطبيعية وحاصر مجاريها، فتحوّل الهطول الكثيف إلى فيضانات اجتاحت عددا من المناطق. وهكذا لم تكشف الأمطار فقط عن هشاشة الشبكات التقنية، بل عرّت أيضا اختلالات عميقة في تصورنا للمشهد الحضري وإدارته.

إن ما يعاينه نموذج التهيئة الحضرية في جلّ المدن التونسية لا يقتصر على غياب خرائط التهيئة أو ضعف احترامها، بل يتجلى أساسًا في بناء مدن وأحياء فوق مسارات المياه، بشبكات تصريف محدودة لا تتلاءم مع واقع مناخي متحوّل. نعتدي على الشواطئ ونتوسع على حساب البحر، ونحاصر السبخات ونقضي على المناطق الرطبة التي تمثل أحزمة وقائية طبيعية، وكأن الخطر مؤجل أو قابل للتجاوز.

كل ذلك عرّته الأمطار، التي لم تصنع الأزمة بقدر ما كشفت عن نتائج سياسات عمومية راكمت اختلالاتها على مدى عقود، وأوصلتنا إلى وضع لم يعد يسمح بتأجيل المعالجة أو الركون إلى حلول ظرفية في ملف استراتيجي طويل الأمد. ملف يفرض اليوم إعادة النظر في فلسفة التهيئة العمرانية، والانتقال من منطق الهيمنة على الطبيعة إلى منطق التعايش والملاءمة البيئية.

وهو ما يستوجب وضع خطة وطنية ممتدة في الزمن، تدمج فيها التهيئة الحضرية بإدارة مخاطر الفيضانات، وتراجع فيها الخيارات السابقة بشجاعة سياسية ومعرفية. خطة تعيد الاعتبار للسبخات والمجاري المائية باعتبارها عناصر حماية لا عوائق تنمية، وتفرض وقف التوسع في المناطق عالية المخاطر، حتى وإن بدا ذلك مكلفا على المدى القصير. فالكلفة الحقيقية، كما أثبتت الأمطار الأخيرة، هي كلفة التأجيل والإنكار.

ويبقى السؤال المطروح اليوم، هل نحن مستعدون للاعتراف بأن نموذجنا الحضري بلغ حدوده القصوى؟ وأن المدن التونسية، ساحلية كانت أم داخلية، لم تعد تعمل وفق منطق المجال القادر على امتصاص الصدمات؟ أم سنواصل إدارة الأزمات إلى أن يصبح الإصلاح ذاته أعلى كلفة من قدرتنا على تحمّله؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115