تتجه إلى تجاوز منطلقها الأول، بوصفها خلافا داخليا حول المؤتمر الاستثنائي وتوقيته وإجراءاته، لتتحول تدريجيا إلى أزمة شاملة تكشف ما تراكم بصمت على امتداد سنوات: أزمة تنظيم، وأزمة شرعية قيادة، بل وأعمق من ذلك، أزمة معنى وهوية تضع الاتحاد أمام مفترق طرق حاسم.
فما يعيشه الاتحاد اليوم لا يقتصر على احتدام الخلافات الداخلية التي دفعت أمينه العام نور الدين الطبوبي إلى تقديم طلب استقالته، ورفضه إلى حدّ الآن أي مساعٍ للصلح، ولا على استقالة عضو المكتب التنفيذي أنور بن قدور، ولا حتى على تصاعد التوتر حول المؤتمر الاستثنائي، بل يتجاوز ذلك ليعكس وضعا أكثر شمولا وتعقيدا. فالمنظمات الكبرى، مثل الاتحاد، لا تصل إلى أزماتها فجأة، بل تنزلق إليها عندما تتراكم الأسئلة دون أجوبة، ويؤجّل الحسم في الملفات الخلافية، ويساء تقدير اللحظة والسياق، فتتراكم عوامل الشلل تدريجيا إلى أن تتحول من خطر يهدد القرار إلى خطر يهدد إطار القرار نفسه.
وما يعيشه الاتحاد اليوم هو في جوهره امتداد لأزمة تنقيح الفصل 20، أو ما عُرف إعلاميا بذلك، وهي الأزمة التي أججت خلافات داخلية لم تحسم رغم المؤتمر الاستثنائي ثم المؤتمر السابع والعشرين، الذي جدد لعدد من القيادات لعهدة ثالثة. ومنذ تلك اللحظة، انطلقت الأزمة الداخلية لتنعكس سلبا على دور الاتحاد وثقله الوطني، خاصة في سياق ما بعد 25 جويلية، وفي ظل نهج السلطة في إدارة الشأن العام وانفرادها بالإمساك بالملفات الاجتماعية.
وقد تفاقمت هذه الأزمة الداخلية لتدفع بالاتحاد نحو أزمات أعمق وأشد، عبّر عنها بوضوح عضو المكتب التنفيذي صالح السالمي في تصريحات إعلامية، لعل أبرز ما يستخلص منها اليوم هو أن المؤتمر الاستثنائي لم يعد يُنظر إليه كحلّ، بل بات عبئا على المنظمة. لا لأنه غير ممكن من حيث المبدأ، بل لأنه أصبح مثقلا بملفات خلافية متراكمة، تتراوح بين تصفية حسابات الماضي، وإعادة توزيع المواقع، ومحاولات إدارة الخلافات والأزمات بدل السعي إلى حسمها جذريا.
وفي تاريخ الاتحاد، لم تخل مؤتمراته، العادية منها والاستثنائية، من الصراعات والتنافس، غير أن تلك الصراعات كانت دائما محكومة بمرجعية واضحة، المنظمة فوق الأشخاص، أو كما عبّر عن ذلك الحبيب عاشور، الأمين العام السابق، بمفهوم “الشقف” وضرورة حمايته. غير أن هذه المرجعية اهتزت اليوم، لا لأن النصوص القانونية تغيّرت، بل لأن الثقة تآكلت، والسياقات الداخلية والوطنية تبدلت، في حين لم يواكب الاتحاد هذه التحولات ولم يحسن قراءتها أو التفاعل معها.
وهو ما قاد إلى أزمة باتت، وفق تلميحات السالمي، تهدد الاتحاد في وجوده ذاته. أزمة تكشف أن الإشكال الحقيقي لا يختزل في القيادة أو في معارضيها، بل في المسافة التي اتسعت بين المركز وقواعده، وبين القرار وإمكانية تنفيذه. ففي ظل منافسة داخلية حادة، تولدت حالة من التردد في الحسم، وفي التقييم، وفي الاعتراف بأن الخلافات خرجت من دائرة التنظيم لتتحول إلى عامل شلل يهدد كيان المنظمة ودورها.
وفي هذا السياق، يجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه اليوم أمام مفترق طريق حقيقي، إما الشروع في مراجعة عميقة وجريئة، لا تقتصر على تغيير القيادات أو إعادة ترتيب المواقع، بل تشمل إعادة بناء الثقة، وتوضيح الخيارات، واستعادة المعنى الجامع، بما يعيد وصل ما انقطع بين القيادة والقواعد، وبين التاريخ والراهن، وإما الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات نفسها، بما يحوّل الخلافات الداخلية إلى عامل استنزاف دائم، ويفرغ الاتحاد تدريجيا من دوره الوطني والاجتماعي.
فالرهان لم يعد تقنيا أو إجرائيا، ولا مرتبطا بمؤتمر استثنائي أو بموعده، بل أصبح رهانا وجوديا يتعلق بموقع الاتحاد في المشهد الوطني، وبقدرته على استعادة وظيفته التاريخية كقوة اجتماعية مستقلة، جامعة، وقادرة على الفعل والتأثير. وفي غياب هذا الحسم، فإن خطر الانزلاق من أزمة داخلية إلى أزمة كيان يظل قائما، بما يجعل مفترق الطريق الذي يقف عنده الاتحاد اليوم لحظة فارقة لا تحتمل مزيدا من التأجيل