عائلات السجناء السياسيين تطلق صيحة فزع: عندما يصبح صمت الدولة خطرا

لا تقاس الدولة بقدرتها على فرض سلطتها فقط

بل بمدى التزامها بحماية الأضعف داخل مجال سيطرتها. والسجين هو الشخص الأكثر خضوعًا لسلطة الدولة، والأكثر اعتمادًا عليها، ولذلك فهو الأجدر بالحماية. من هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع الوضع الصحي للسجناء السياسيين في تونس كملف ثانوي أو هامشي، بل كاختبار مباشر لطبيعة الدولة وخياراتها.

هذا الاختبار فرضه تزايد الأخبار حول تدهور الحالة الصحية لعدد من السجناء السياسيين، في مقابل غياب شبه كامل لأي معطيات دقيقة أو تواصل واضح من مؤسسات الدولة. هذا الغياب خلق فراغًا لم يملأه سوى صوت العائلات، باعتباره المصدر الوحيد المتاح للحديث عن أوضاع صحية مقلقة داخل السجون.

صوت العائلات لا يقدَّم هنا باعتباره حقيقة نهائية، بل لأنه المعطى الوحيد الذي ظهر في ظل صمت السلطة. لذلك، لا تتعلق القضية بعدالة المحاكمات أو بطبيعة التهم، بل بسؤال أكثر بساطة وخطورة: هل تفي الدولة بمسؤوليتها في حماية صحة من وضعتهم تحت سيطرتها الكاملة؟

داخل السجون، تتراكم مؤشرات لا يمكن تجاهلها. تقارير حقوقية محلية ودولية حذرت منذ أشهر من مخاطر حقيقية تهدد حياة عدد من السجناء. خلال الأيام الأخيرة، جاءت شهادات العائلات لتؤكد هذا القلق، محذرة من تدهور صحي خطير لدى سجناء من بينهم شذى الحاج مبارك، وأحمد صواب، وعبد الحميد الجلاصي، وغيرهم من السجناء السياسيين.

عائلة الصحفية شذى الحاج مبارك تحدثت عن مرض خطير وتدهور متسارع في وضعها الصحي. عائلة أحمد صواب تحدثت عن نزيف دم متكرر وتراجع واضح في حالته. أسرة عبد الحميد الجلاصي أشارت إلى تعقيدات صحية وبطء في الإجراءات اللازمة لإجراء الفحوصات والتحاليل. رغم اختلاف التفاصيل، تلتقي هذه الشهادات عند نقطة واحدة: الشعور بغياب رعاية صحية كافية ومتابعة طبية منتظمة.

في المقابل، تلتزم السلطات إما الصمت أو الاكتفاء بنفي عام لأي أزمة صحية. باستثناء بيانات مقتضبة أو تصريحات محدودة، لم تقدم الدولة تقارير صحية مفصلة أو معلومات قابلة للتحقق. الخطاب الرسمي السائد ينفي وجود أي تدهور صحي ذي أهمية، دون تمييز بين الحالات أو توضيح لما يثار من مخاوف.

هذا الصمت أو النفي لا يمكن اعتباره مسألة إدارية أو خللًا عابرًا في التواصل. في القضايا الحقوقية الحساسة، الصمت خيار سياسي بحد ذاته. هو قرار بعدم فتح النقاش وعدم الاعتراف بوجود مشكلة تستوجب المعالجة العلنية. في ملف الصحة داخل السجون، يتحول هذا الخيار إلى خطر حقيقي.

الحق في الصحة حق أساسي لا يمكن تعليقه. هذا ما ينص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ سنة 1966. كما أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بهذه الحقوق أن فشل الدولة في توفير الرعاية الصحية للسجناء يعد انتهاكًا مباشرًا لالتزاماتها. قواعد نيلسون مانديلا بدورها واضحة، الدولة مسؤولة بالكامل عن صحة السجناء، وأي إخلال بهذا الواجب يعكس فشلا مؤسساتيا.

من هنا، لا يعود الصمت الرسمي مجرد موضع تساؤل، بل يصبح مرفوضا. الدولة التي تصمت أمام تحذيرات متكررة، أو تنفيها دون تقديم معلومات واضحة، تعرض نفسها لخطر الانزلاق نحو انتهاك خطير. والتطبيع مع هذا الوضع يعني القبول ضمنيا بأن السجين لم يعد مواطنا كامل الحقوق، وأن المرض قد يتحول إلى عقوبة غير معلنة.

وما يعزز هذه المخاوف هو تكرار شهادات العائلات وتقاربها في الزمن والمضمون. لتشير إلى ان ما يحدث ليس حالات فردية ، بل نمطًا مقلقًا، يجعل من الصمت الرسمي خيارا واعيا لا يمكن تبريره. وهو ما قد يفتح الباب إما للتطبيع مع الانتهاكات أو السماح لها بالاستمرار.

الصمت أو النفي العام لا يقدم أي معلومات دقيقة عن الواقع الصحي داخل السجون، بل يترك المجال مفتوحا لروايات العائلات التي تتحدث عن خوف حقيقي على حياة أبنائها. يمكن قراءة هذا الصمت كرسالة سياسية تقول إن كل شيء تحت السيطرة، وإن ما يثار مجرد مبالغة. لكنه في الواقع يعكس إدارة أزمة حساسة عبر الإنكار، ويعمق تضارب الروايات وغياب الشفافية.

وهنا يطرح سؤال ، هل هذا الصمت جزء من سياسة عقابية أوسع؟ أم مجرد خيار اتصالي يهدف إلى رسم صورة معينة عن واقع السجون؟ ما يفرض هذا السؤال أن صرخات العائلات لم تعد معزولة، بل متكررة ومتقاربة. وهو ما يجعل الوضع الصحي للسجناء اختبارا حقيقيا لمصداقية الدولة.

فالأزمة الصحية، كما تظهر من شهادات العائلات، ليست مجرد مسألة طبية. بل هي جزء من سياق أوسع يعكس أزمة ثقة متزايدة بين المجتمع والسلطة. الأزمة لا تتعلق فقط بتدهور صحة عدد من السجناء، بل بالخيار الذي تتخذه الدولة في التعامل مع هذا التدهور.

خيار يحول صحة السجناء إلى ملف صامت أو إلى موضوع إنكار. خيار يحمل خطرًا مزدوجًا: خطرًا على الأجساد، وخطرًا على المعنى. معه يتحول السجن من فضاء لتطبيق القانون إلى فضاء لتعليقه، وتتحول السياسة العقابية من تنفيذ حكم إلى ممارسة تمس الكرامة الإنسانية.

هنا بالضبط تختبر الدولة نفسها، إما أن تحمي الإنسان وهو في أضعف حالاته، أو تقبل ضمنيا بأن يفقد حقه في الصحة والكرامة وهو خلف القضبان

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115