كشفت عن ملامحه الحكومة: مخطط التنمية...نوايا طيبة دون هدف استراتيجي

أعلنت رئاسة الحكومة التونسية عن مشروعها

لمخطط التنمية 2026 /2030 بخطاب مشحون يسوق لرؤية طموحة ببعد اجتماعي قوي وبمفردات العدالة والإنصاف والتنمية المستدامة والمتوازنة، خطاب كشف عن النوايا الطيبة وعن صياغة مخطط تشاركي يقر بتنوع واختلاف الحاجيات بين الجهات ويسعى لمعالجة الاختلالات التي تراكمت نتيجة السياسات العمومية السابقة، لكنه لم يتضمن أية إشارة إلى أدوات التنفيذ، ولا مؤشرات قياس الأداء، ولا آليات المتابعة، كما لم يرفق أهدافه بأرقام وآجال، ولم يحدد الهدف المركزي الذي يوحّد مسار المخطط ويمنحه اتجاها استراتيجيا واضحا.

البلاغ الصادر أول أمس الثلاثاء، وإن اقتصر على تقديم العناوين العريضة للمخطط التنموي، فإنه كشف عن ملامح أولوية المخطط ومنهجيته وفلسفته وأهدافه، ما يسمح بإجراء قراءة موضوعية لتوجهات السياسات العمومية المقترحة. فهو لا يقتصر على عرض نوايا الدولة ورؤيتها الكبرى، بل يظهر في الوقت نفسه الفجوة بين هذه النوايا وغياب الآليات العملية اللازمة لتحقيقها.

فعند تحليل مضمون البلاغ، يمكن استخلاص عناصر رئيسية تتعلق بمنهجية إعداد المخطط وأهدافه. وهنا تشير الحكومة إلى أن المخطط يعتمد منهجية تصاعدية تشاركية تبدأ من المستوى المحلي، فالجهوي والإقليمي، وصولا إلى الوطني، بهدف ضمان انسجام الأهداف الكبرى مع احتياجات الجهات المختلفة. كما يضع البلاغ البعد الاجتماعي في صميم المخطط، مع التركيز على تعزيز العدالة الاجتماعية، تقليص الفقر والهشاشة، وتوسيع الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، ويشمل أيضا دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، تعزيز الابتكار والقدرة التنافسية، خلق فرص العمل، وتحسين جاذبية الجهات عبر توجيه الاستثمارات العمومية.

تجمع هذه العناصر بين البعد الاجتماعي والاقتصادي والمجالي، أي ربط النمو الاقتصادي بمدى استفادة مختلف شرائح التونسيين من نتائجه، وهو ما يمثل خطوة نوعية مقارنة بالتجارب السابقة. ومع ذلك، فإن تفكيك هذه العناصر يكشف عن نقاط ضعف واضحة في التصور الأولي. باعتماد المقاربة التشاركية لا يضمن وحده تحقيق انسجام حقيقي بين الحاجيات المحلية والأهداف الوطنية، وقد يؤدي إلى أن يظل المخطط محصورًا في معالجة مطالب جزئية دون أن يخلق ديناميكية اقتصادية وطنية متكاملة، وهنا لا تعلن الحكومة في بلاغها عن اي مسار تحكيمي او تاليفي يهدف الى تحقيق الانسجام والتناسب ويضع مؤشرات قياس الأداء، التفاصيل الكمية، التمويل، والآجال الزمنية يحدّ من قدرة الحكومة على متابعة التنفيذ وتقييم التقدم، واتخاذ إجراءات تصحيحية عند الحاجة. وهذا يعني أن المخطط، أثناء صياغته النهائيّة، قد يقع في فخ تعميم الأهداف الكبرى على حساب ربطها بآليات التنفيذ والموارد، ما يقلل فرص تحقيق النتائج المرجوة على أرض الواقع.

وهو ما يكشف عن المفارقة الأساسية، و هي أن الخطاب الحكومي يعلن عن النوايا والأهداف الكبرى لكنه في المقابل لا يقدم إجابات واضحة عن السؤال المحوري، إلى أين يقودنا هذا المخطط؟ ما هي النتائج القابلة للقياس في نهاية المدة؟ وكيف سيتم ربط الموارد والجهود بالنتائج؟.

هذه الفجوات او الصمت الحكومي يفرض احتمال أن المخطط المعروض اليوم على مجلس الاقليم والجهات لمناقشته، قد يكرر بعض قصور المخططات السابقة، والتي وان حققت أهدافا اجتماعية واقتصادية، الا انها كانت محدودة لم تحدث تحولا اقتصاديا ملموسا.

فما تظهر التجارب السابقة، مثل المخططات الخماسية والعشرية للفترة 1962–2020، هو أن الخطط التنموية غالبا ما تواجه عقبة تحويل النوايا إلى نتائج ملموسة بسبب غياب هدف مركزي قابل للقراءة والتقييم وفق مؤشرات الأداء، او لضعف التمويل او غياب الربط الواضح بين الموارد التي توجه وبين النتائج المحققة على ارض الواقع، وهو ما قد في بعض الاحيان الى اهدار للموارد او ضعف المردودية الاقتصادية الناتج عنها. والخشية اليوم ان يتكرر الامر، في ظل شح الموارد والتمويل، ما من شانه ان يحدث سلسلة من التداعيات السلبية,

فما يقدمه بلاغ الحكومة من عناصر قراءة أولية لمخطط التنمية 2026 /2030 يعزز هذه الخشية لان ما يعلن هو النوايا، التي وان كانت طيبة وايجابية فانها لا تستطيع ان تعوض غياب هدف استراتيجي ولا تعالج خلل المقاربة التي وان كانت في ظاهرها تقطع مع القديم لا انها امتداد له

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115