فقد سارعت الصين إلى الرد بإجراءات مماثلة شملت بضائع أمريكية بقيمة 80 مليار دولار، كما أعلن الاتحاد الأوروبي عزمه فرض رسوم على واردات أمريكية بقيمة 28 مليار دولار. هذه التطورات دفعت البورصات إلى موجة اضطراب حاد، حيث شهدت البورصات في آسيا وأوروبا تراجعات لافتة، على غرار «وول ستريت»، في مشهد يعكس حالة القلق العالمي المتزايد إزاء التصعيد التجاري.
الرسوم الأمريكية الجديدة، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، جاءت تحت عنوان «التحرر الاقتصادي» و»الاستقلال التجاري»، في خطوة تمثل قطيعة مع عقود من الالتزام الأمريكي بمبادئ التجارة الحرة. القرار الذي فرض رسومًا بنسبة 10% على جميع الواردات، بالإضافة إلى زيادات إضافية على نحو ستين دولة، يعكس تبني واشنطن لنهج اقتصادي حمائي يهدد مرتكزات النظام التجاري الدولي القائم على الانفتاح وتعددية الأطراف.
الردود الدولية على هذه الإجراءات تباينت بشكل واضح. الصين، بوصفها أكبر متضرر من القرار الأمريكي، اعتمدت سياسة التصعيد بالمثل مع تكثيف تحركاتها الديبلوماسية للسعي الى توسيع شراكاتها مع أوروبا وآسيا الوسطى، في خطوات تعكس إدراك الصين أن تبعات الخيار الأمريكي هي التي ستحدد كيفية صياغة النظام التجاري العالمي من جديد نحو نموذج متعدد الأقطاب أو ترسيخ الهيمنة الأمريكية.
هيمنة حذر منها رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو، يوم أمس بالتشديد على أن بلاده وأوروبا ككل مهددتان بأن تسحقا إذا لم يواجه سياسة ترامب التي ستكون تداعياتها المباشرة دفع أوروبا إلى الهامش، وهو ما عبرت عنه جزئيًا المقاربة الأوروبية التي تبحث عن توازن هش، يمزج بين الرد الرمزي عبر فرض رسوم على عدد محدود من البضائع بقيمة 28 مليار دولار والسعي إلى التفاوض مع الإدارة الأمريكية لمراجعة الرسوم الجمركية.
تحذير فرنسا من خطر سحق الاتحاد الأوروبي وسقوطه في فخ الهيمنة وضرورة إيجاد خيار بديل وبحث الاتحاد عن هذا الخيار يعكسان وعيًا أوروبيًا بالوضع المعقد الذي باتت فيه دول الاتحاد التي لا تريد المغامرة بالدخول في مواجهة مباشرة، نظرًا للوضع الاقتصادي المتباطئ والتوازنات السياسية الهشة داخل التكتل الأوروبي، ولكنه لا يستطيع أن يقدم تنازلات أو أن يمرر الإجراءات دون رد كي لا يفقد الاتحاد ثقله خاصة في ظل غياب بدائل قوية خارج الفضاء الأمريكي.
رفض الاتحاد أن ينتهج سياسة اختارتها عدة دول حليفة للولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الاقتصادات الناشئة، تتمثل في الامتثال للقرار الأمريكي دون رد. دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان والفلبين، على أمل أن تنجح في الوصول إلى مفاوضات ثنائية علها تجنبها الرسوم التي امتثلت لها وكشفت عن مدى هشاشة هذه الاقتصاديات وعدم قدرتها على مواجهة الضغوط الأمريكية.
ضغوط وإجراءات أمريكية تأتي في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تباطؤًا واضحًا، وسط ارتفاع معدلات التضخم وتزايد التوترات الجيوسياسية، وذلك ما جعل البورصات العالمية تتأثر سلبًا بهذه الإشارات وتؤدي بها إلى موجة من الانخفاضات في ظل عمليات بيع كبيرة والتخلص من الأسهم والتوجه لشراء الذهب والسندات الحكومية.
سلسلة من الانهيارات وخسائر طالت مختلف البورصات التي تأثرت بالرسوم الجمركية الأمريكية والإجراءات الصينية المضادة وما حملته من إشارات صريحة بأن سلاسل التوريد في الاقتصاد المعولم في طور المراجعة وإعادة النظر.
رسوم ترامب، في جوهرها، ليست تعبيرًا عن توجه اقتصادي جديد فقط، بل هي كذلك مؤشر على تحوّل استراتيجي في موقع الولايات المتحدة ضمن النظام العالمي: من منطق الشراكة إلى منطق الهيمنة، ومن التعددية إلى التفرد، ومن قيادة النظام إلى تقويضه. وذلك ما يفرض على بقية العالم البحث عن خياراته بين الرضوخ لهذا التوجه أو العمل على إعادة بناء منظومة دولية جديدة، أكثر توازنًا، تضمن التنمية والاستقرار المشترك.
العالم اليوم أمام مفترق طرق.