بل عولمة الزمان أيضا إذ ما الزمان سوى المكان في سيروته.
الزمان ليس فقط ذلك السيلان الذي يبدو لنا أبديا وبه نقيس الما قبل والمابعد بل هو جملة الأزمة الحافة بحياة البشر والتي كانت فيما قبل متباعدة شيئا ما اما الآن فإن عولمة الزمن قضت بنوع من الدمج المفرط لكل هذه الأبعاد..
في الحياة العامة ولاسيما في الدول الديمقراطية، أو على الأقل تلك التي تمثل فيها الانتخابات رهانا غير صوري، هنالك دوما زمن سياسي وزمن انتخابي وزمن قضائي انضاف اليها منذ بضعة عقود حيث أن قرارا قضائيا أضحى بإمكانه ان يغير بصفة جذرية المعادلات السياسية والمعطيات الكبرى للزمن الانتخابي كذلك..
لقد كان بإمكان القضاء الأمريكي منع دونالد ترامب من الترشح. وكما ازاح القضاء الفرنسي بصفة تكاد تكون مباشرة - فرانسوا فيون من رئاسية 2017 والتي كانت كل المعطيات - قبل تدخل القضاء - تشير إلى فوزه، شيء مماثل قد يحصل الآن لزعيمة أقصى اليمين مارين لوبان المرشحة الأبرز لرئاسية 2027، وقد ألغت المحكمة الدستورية في رومانيا في بداية هذه السنة الدور الأول للانتخابات الرئاسية، كما قد يحرم المنافس الأبرز لاردوغان من المنافسة الرئاسية القادمة وقد حصل هذا أيضا في تونس في 2019 - إعاقة لا تعطيل تام - وفي 2024 لا بواسطة القضاء مباشرة بل هيئة الانتخابات والتي تتمتع بصلاحيات قضائية في المادة الانتخابية..
الامثلة كثيرة في العالم، لا فقط في النظم التسلطية ولكن حتى عند تلك التي تعرف تقاليد ديمقراطية عريقة..
في كل هذه الأمثلة يمنع هؤلاء المنافسين الجديدين او يضيق عليهم بتهمة الفساد المالي المتعلق أساسا بنشاطهم السياسي او بحملتهم الانتخابية.
هنالك رأيان متعارضان في هذه المسألة.
- يقول الأول: ان الساسة مواطنون عاديون بل انهم مطالبون اكثر من غيرهم بالشفافية المالية وبالنزاهة وانه لا يجوز تعطيل السلطة القضائية بتعلة الانتخابات لأن ذلك قد يعطي حصانة للفاسدين ويشجع نظراءهم للتقدم للانتخابات (باصنافها) قصد الافلات من العقاب.
- يعتبر الرأي الثاني ان سلامة الديمقراطية تقتضي الا يتداخل القضائي مع الانتخابي خاصة في الرئاسية بالنسبة للافراد وفي التشريعية بالنسبة للاحزاب..
لاشك أن هنالك فرقا جوهريا بين النظم التي يحترم فيها الحد الأدنى من الحريات والحقوق ومن استقلالية القضاء وبين تلك التي تداس فيها الحقوق والحريات ويتم فيها توظيف القضاء لضرب المعارضين ومنعهم من حقوقهم الدنيا..
ومع هذا نحن أمام معضلة تطرحها الممارسة الديمقراطية اليوم والتي يبدو فيها احيانا نوع من التناقض بين مقتضيات نظافة الذمة المالية للسياسيين ودور القضاء المركزي في محاربة فساد بعض النخب وبين حق المواطنين في اختيار من يمثلهم في الانتخابات الرئاسية في كل بلد..
والسؤال هنا هو هل يجب اعتماد فترة ما للصمت القضائي مع اقتراب المواعيد الانتخابية أم لا؟ أم أنه من واجب القضاء مواصلة تحقيقاته وانفاذ احكامه قبل موعد الانتخابات أو حتى بعدها كما في وضعية رومانيا مثلا؟
ينبغي الاعتراف بأننا ازاء مسألة معقدة لم تطرح بمثل هذه الحدة قبيل عقد من الزمن والجزم هنا قد يجانب الإنصاف ويدعو الى الاصطفاف عندما يتعلق الأمر بحالات بعينها..
هل يجب أن يسمح للفاسدين بالمساهمة في تسيير الشأن العام عبر بوابة الانتخابات؟ قطعا لا.
لكن هذا الموقف المبدئي لا يحل كل الإشكال في كل الوضعيات..
هنالك وضعيات سهلة : فساد صريح أدى إلى استثراء شخصي أو عائلي، أو جريمة حق عام لا يمكن الا تكون عقوبتها دون السجن بستة أشهر أو بسنة كالاتجار في المخدرات أو العنف الشديد أو السرقة أو القتل فلا يمكن لقاتل - ولو دون سابق اضمار وترصد - أن يكون مرشحا لأية انتخابات كانت حتى وإن تبين جرمه بعد الانتخابات فلابد من تتبعه وحتى التفكير في رفع الحصانة عنه، ولكن عندما يكون الفعل قابلا للتأويل أو لم يؤدي إلى استثراء شخص، هنا نكون أمام اجتهاد هيئة حكمية ليست منزهة عن الخطإ أو عن الاصطفاف الضمني..
ثم عندما تتوفر كل شروط النزاهة والحياد لدى الهيئة الحكمية وحتى عندما تعتقد أن توصيفها للفعل المجرم سليم و أن حكمها متناسب مع طبيعة هذا الفعل، فهل يحق لها أن تحسم ملفا قد يغير ويحد بصفة جوهرية من اختيار الناخبين؟
نحن ازاء مسألة فلسفية دقيقة فيها مقتضيات أخلاقية متنافرة وهي في كل الأحوال غير منزهة عن الأطماع الأحقاد وتصفية الحسابات..
تصوروا لو منع ترامب من الترشح في 2024 فهل كان ذلك سيكون مقبولا اخلاقيا ؟ وهل بإمكان أفراد معدودين باسم القانون أن يحسموا مسألة ستعرض على 150 مليون نسمة؟
للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نتصور أن خصمة ترامب هي التي كان سيتم منعها وألا يتغير جوابنا بتغير الشخصية المستهدفة..
القضاء الأمريكي اختار الا يذهب إلى الأخير قبيل الانتخابات وقضاء رومانيا قرر اسقاط متأهل للدور الثاني وقضاء تركيا سجن المترشح المحتمل..
خلاصة وحيدة ممكنة : الديمقراطية في العالم اليوم ليست افضل أحوالها لا بالنظر إلى العلاقات بين الدول فهذه دوما حكمها منطق القوة ولكن داخل دول عدة كانت تقدم نفسها دوما كنموذج لبقية الدول.