بدا العالم الغربي وكأنه تحالف استراتيجي لا تصدع فيه رغم التنافس الاقتصادي والديبلوماسي بين مختلف أقطاره..أما اليوم فلا حديث في جلّ العواصم الأوروبية إلا على امكانية تشقق هذا التحالف مع تقارب روسي أمريكي لا على حساب أوكرانيا فسحب بل وعلى حساب أوروبا كلها ..
لاشك أن مفهوم «الغرب» بحاجة الى توضيح تاريخه وجغرافيته والأسس الثقافية التي تحدده ..ولكن سنكتفي هنا بالاستعمال الشائع فالغرب هو جل دول أوروبا باستثناء روسيا وتركيا وبعض بلدان البلقان مع أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة والكندا) وبعض وبعض امتداد «الرجل الأبيض» في استراليا وزيلندا الجديدة ..وهذه الدول لم تمثل كتلة استراتيجية واحدة إلا بعد نهاية الحروب المدمرة داخل القارة الاوروبية أولا وانهيار المعسكر الشرقي ثانيا،فهذا التحالف الاستراتيجي والعسكري الذي يبدو وكأنه سرمدي انما هو نتيجة النصف الثاني للقرن العشرين فقط .
الغرب بالمعنى الجيوسياسي يشمل دولا من خارج فضائه الثقافي والتاريخي كاليابان وكوريا الجنوبية على وجه التحديد بينما بقيت كل دول أمريكا الوسطى والجنوبية خارج الفضاء الغربي .
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى أصبحت الولايات المتحدة تعد القوة الأبرز بل وزعيمة هذا العالم الذي سمي كذلك بالعالم الحرّ رغم أن الولايات المتحدة لم تنخرط في الحرب العالمية الأولى إلا أفريل 2017 الى جانب فرنسا وانقلترا وحلفاتهما،كما انها لم تدخل الحرب العالمية الثانية الا بعد أن هاجمتها اليابان في «بارل هاربور» في ديسمبر 1941،كما أن الولايات المتحدة لم ترسل جنودها اثر نهاية الحرب العالمية الثانية لمنع ستالين من الاستيلاء على دول أوروبا الشرقية والوسطى..
نذكر بهذه المعطيات الحديثة والمعروفة لدى الجميع لنقول بأن التحالف الاستراتيجي العسكري والسياسي والمصلحي بين أوروبا (ممثلة بأهم دولها) والولايات المتحدة ليس بمثل هذه الآلية والسماكة التي قد تظهر اليوم خاصة عندما يتعلق بالمواقف والسياسات تجاه بقية دول العالم كما هو الحال اليوم في المساندة الغربية المطلقة لحرب الابادة في غزة ولكن مصالح أمريكا الاقتصادية والإستراتيجية لا تتقاطع دوما مع الدول الاوروبية التي عجزت عن بناء وحدة استراتيجية عسكرية وديبلوماسية مستقلة عن «زعيمة العالم الحرّ».
هنالك تيار قوي في الولايات المتحدة منذ اكثر من قرن يسمى بالتيار الانعزالي وهو يدعو الى أن تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن الحروب والصراعات الأوروبية ..
هنالك فرق هام بين الولايات المتحدة وأوروبا فمن جهة هنالك دولة واحدة كالقارة هي الأولى اقتصاديا وماليا وعسكريا وتكنولوجيا وعلميا في المقابل اكثر من ثلاثين دولة جلها منضوية في اتحاد عماده الأساسي التقارب الاقتصادي والمؤسساتي ،أهم الدول في هذه المجموعة قوى وسطى لا يمكنها لوحدها أن تضاهي القوى الكبرى غير الغربية، وجلّ هذه الدول مازالت تعوّل على المظلة الامريكية لحماية أمنها القومي ..
والولايات المتحدة قبل ترامب ومعه وبعده لا تعول مطلقا على الدول الأوروبية عندما تريد شن حرب عسكرية او اقتصادية وهي لا تقبل شنه العالمية الثانية سوى تبعية كل الدول الغربية دون نقاش أو احتجاج ..
الجديد اليوم أن السلطة الامريكية الحالية لا ترى نفعها استراتيجيا في العداوة مع روسيا وبالنسبة لجزء من النخب اليمينية – الداعمة لترامب – روسيا كبلد أبيض مسيحي (حتى لو كان ارتودكسيا ) وبعد تخليه عن الشيوعية لا يمكن أن يكون هيكليا في صف الأعداء، ولا مصلحة لأمريكا لدفع قادته الى أحضان الصين والقوى الاقليمية الاخرى المعادية كإيران مثلا. وبهذا الاعتبار فإن التجييش الأوروبي المستمر ضدّ بوتين ورفض التنازل ولو الجزئي لمطالبه غباوة استراتيجية ومضرّ الى الاقصى بالمصالح الاساسية الامريكية ..
بالنسبة لكل دوائر صنع القرار الامريكي العدو الاول لبلاد العم سام هي الصين والتي ينبغي اعاقة تقدمها الاقتصادي والصناعي والمالي والعلمي والتقني والديبلوماسي بكل الطرق ،وأهم هذه الطرق جعل التحالف بين الدول الكبرى في الجنوب الكلي كالصين وروسيا والهند والبرازيل واندونيسيا ونيجريا وتركيا وإيران ..أمرا مستحيلا وأن التقارب الواضح اليوم بين موسكو وبيكين هو عين الخطر وكسره لن يحصل إلا باخراج روسيا من عزلتها والاعتراف بحقها في الأمن الجيوسياسي حتى لو كان ذلك على حساب أوكرانيا وكبرباء أوروبا ..
أمريكا تدرك جيدا انها لن تتمكن بعد عقد أو عقود من الزمن من التغلب على تحالف يضم روسيا والصين والهند مثلا وأن وزن الدول الأوروبية لن يسمح لها البتة بتعديل هذه الكفة ..
التباعد الواضح بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة لا يعود الى شخصية ترامب بل الى هذا التباين الاستراتيجي الكبير، فأوروبا تريد أن تجعل من روسيا العدو الرئيسي للغرب وأمريكا تريد تحييد روسيا في معاركها الممتدة الجوانب مع الصين وهي ليست مستعدة للدخول في حرب غير مباشرة مع موسكو من أجل عيون حلفائها التقليديين الذين لم يدركوا بعد أن حجمهم الحقيقي في لعبة الأمم قد تراجع كثيرا وأن حلم بعضهم بأن تصبح أوروبا قوة عسكرية مستقلة ومهابة هو من أضغاث أحلام بعض قادتها فقط لا غير ..
الشرق كان دوما مشارق والغرب قد ينسج على شاكلته ليصبح مغارب بدوره.