الذكرى الـ 13 لاندلاع الثورة التونسية: قطاع الصحـة يعرّي خطاب الثورة

مرت يوم أمس الذكري الثالثة عشرة لاندلاع الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010،

كحدث باهت لولا بعض مظاهر الاحتفاء الرسمي المؤسساتي الذي حصر المناسبة في خطابات عن الثورة وعن استحقاقاتها وعن مطالب التونسيين التي ستتحقق عند انتهاء البناء السياسي والقانوني لمنظومة الحكم ومحاربة الفساد وتفكيكه، وبذلك يستمر الانفصام بين الشارع ونخب الحكم والدولة والذي برز منذ 2012.

فقد عاشت تونس طوال السنوات الثلاث عشرة الفارطة وفق نسق فرضته النخب الحزبية التي جعلت السياسي أولوية مطلقة طمست المطالب التنمويّة والاجتماعية والاقتصادية التي رفعها التونسيون وعبروا عنها بشعارات عامة اهمها «شغل حرية كرامة وطنية» تعهدت جل الحكومات الثلاث عشرة التي مرت على تونس بتطبيقها، وكانت آخرها حكومة بودن التي خلفها في القصبة أحمد الحشاني في اوت الفارط والذي ابقى على كل الحكومة دون تغيير.

فمنذ حكومة محمد الغنوشي وصولا الى حكومة نجلاء بودن/أحمد الحشاني كان خطاب الحكومة مشحونا بشعارات تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن بين الجهات والقضاء على الفقر والبطالة والنهوض بالشباب وتطبيق القانون والقضاء على الفساد، لكن تواصل نهج تعميق الهوة بين انتظارات مكونات الشعب التونسي وخطاب نخبه وعلى راسهم نخبه الحاكمة.

ويكشف النظر في ثلاثة مؤشرات اساسية عن حجم هذه الهوة التي تعمقت خلال السنوات الثلاث عشرة الفارطة، ذلك أن معدل النمو السنوي للعشرية الممتدة من 2000 الى 2010 بلغ 4.5 ٪ فيما سجّل 1,1 ٪ نسبة نمو كمعدل سنوي للفترة الممتدة من 2011 الى 2022، مما يفسر التراجع المخيف في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ولعل مؤشر تمتع التونسيين بحقهم في الصحة ونفاذ التونسيين الى الخدمات الصحية نموذج لحجم هذا التراجع الشامل في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

فوفق الخارطة الصحية الصادرة عن وزارة الصحة في 2019 بلغ عدد الاسرة في المنشآت الصحية 22 ألف سرير بواقع 1,9 سرير لكل الف ساكن كمعدل وطني، وذلك باحتساب حوالي 7 الاف سرير في القطاع الخاص. مما يكشف عن وجود هوة شاسعة اذ تسجل تونس العاصمة اعلى معدل للاسرة بواقع 61.2 سرير لكل 100 الف ساكن مقابل تسجل ولاية سيدي بوزيد بمعدل 10.7 سرير لكل 100 الف ساكن. كما يكشف عدد اطباء الاختصاص عن حجم هذه الهوة، فاذا كان المعدل الوطني 7,1 طبيب اختصاص لكل 10 الاف ساكن، تظل الهوة بين الجهات شاسعة اذ تسجل تونس العاصمة وجود 23,4 طبيب اختصاص لكل 10 الاف ساكن مقابل وجود 1,5 طبيب اختصاص في ولاية القصرين لكل 10 آلاف ساكن.

هذا التباين الشاسع بين الجهتين، ليس وليد سنوات ما بعد الثورة بل هو نتاج لسياسات عمومية بلغت ذروتها منذ عقود وكشفت عن محدوديتها في تامين خدمات صحية ذات جودة للتونسيين، وظلت رغم الحاجة الى اصلاحها غير مشمولة باية برامج اصلاح هيكلية تعالج هذا الخلل الذي يعبر عن نفسه بنسة قطاع الصحة من ميزانية الدولة اذ تستقر حصتها دون 12 ٪ من مجمل الميزانية، وذلك دون النسبة التي اوصت بها الامم المتحدة وهي 15 ٪ لضمان الخدمات الصحية والنفاذ اليها لكل الافراد، وذلك ما يفسر ارتفاع نسبة انفاق الاسر التونسية على الصحة والذي بلغ 37,9 ٪.

تراجع المؤشرات الصحية وتدهورها عينة تكشف عن عمق الهوة بين انتظارات التونسيين وما تنجزه السلطة وما تعد به نخب الحكم التي تفسر هذا التراجع باستشراء الفساد وضغط اللوبيات المتنفذة، وهو ما لا تقره المؤشرات التي تكشف عن خلل هيكلي اصاب جل المنظومات الخدماتية او الانتاجية، مما يكشف عن القطيعة بين الواقع الذي يعيشه التونسيون والخطاب السياسي الذي يطارد شعارات لا يمكنها ان تحقق الرفاه للتونسين، فبعد اكثر من عقد من انتظار ان تحقيق الوعود وتنفيذ البرامج والمشاريع التي اعلنتها الحكومات المتعاقبة او النخب التي حكمت تونس خلال هذه السنوات، يبدو ان « اليأس» قد دبّ الى التونسين الذين عبروا عن قنوطهم من نخبهم بعزوفهم الكلي عن احياء ذكرى اندلاع الثورة وتفضيلهم الانصراف الى مشاغلهم اليومية والوقوف في طوابير المواد الاساسية علهم يظفرون بمعاشهم.

هنا لا حاجة لتفسير الماء بالماء، والواضح والجلي ان النخب السياسية والقانونية ادارت ظهرها طوال السنوات الفارطة ولاتزال للأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

ان اغفال الجانبين الاقتصادي والاجتماعي وهما مطلبان من مطالب الثورة ادى في النهاية الى جعلنا اسرى لحلقة مفرغة كلما اشتدت فيها الأزمة كان الحل المقترح للخروج منها سياسيا وقانونيا بالأساس، في أقل من عقد من الزمن عاصر التونسييون دستورين وقانونين انتخابيين ونظامين للحكم، ما يجمعها هو رفع شعار تحقيق اهداف الثورة ومطالبها التي وقعت دسترتها في دستور 2014 ودستور 2022، دون ان تنفذ عبر سياسات عمومية.

الهوة هنا بين واقع ثقيل يعيشه التونسيون وتخمة سياسية وقانونية شغلت النخب الحاكمة عن ادراك المتغيرات الاجتماعية وفاقمت الأزمة الاقتصادية والمالية في تونس، ويبدو أننا سننفق المزيد من الوقت في هذا الانحراف

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115