خاص: الوضع العام للبلاد كما يراه التونسيون

76,6 % البلاد تسير في الطريق الخطأ
• تراجع الثقة في أداء رئيس الجمهورية بـ 8 نقاط

قراءة وتحليل زياد كريشان

الباروميتر السياسي لشهر سبتمبر 2016 (تاريخ الدراسة من 25 إلى 26 أوت 2016) يبيّن أن نسبة التشاؤم قد تجاوزت لأول مرة منذ إحداث هذا الباروميتر (شهر جانفي 2015) نسبة الثلاثة أرباع (76,6 %) وأن خمس التونسيين فقط يرون أن البلاد تسير في الطريق الصحيح.

ورغم أن تاريخ إعداد الاستجوابات كان إبّان عرض حكومة يوسف الشاهد على مجلس نواب الشعب فإننا نجد أن التونسيين منقسمون في نسبة رضاهم على صاحب القصبة الجديد وأن الحكومة الجديدة لو عرضت على الرأي العام بدل مجلس نواب الشعب لما حازت ثقة الأغلبية... ويتوازى هذا مع انخفاض هام في شعبية رئيس الجمهورية...

وينعكس التقييم السلبي للوضع العام بالبلاد على الوضعية الشخصية للتونسيين رغم بقاء خيط من الأمل في أن يكون المستقبل أفضل من الآني:
منذ شهر ماي الفارط ما انفك الاتجاه التشاؤمي في ازدياد لدى التونسيين إلى أن بلغ رقمه القياسي في أواخر شهر أوت الماضي إذ يعتبر 76,6 % من التونسيين أن البلاد تسير في الطريق الخطأ...

في سوسيولوجيا التشاؤم التونسي
هذا التشاؤم عمّ كل الأحزاب والجهات والفئات الاجتماعية والعمرية والجنسين كذلك وإن بنسب متفاوتة... فناخبو النهضة والنداء يبقون أكثر تفاؤلا من عموم التونسيين ولكن الفرق في النسب لا يتجاوز خمس نقاط في أقصى الحالات...
أما على مستوى الجهات فقد حطمت ولاية صفاقس الرقم القياسي بـــــ 83,1 % من المتشائمين بينما سجلنا أكبر نسبة تفاؤل في ولايات الشمال الغربي (باجة وسليانة والكاف وجندوبة) حيث ينخفض منسوب التشاؤم إلى 69,9 % فقط أما بقية مناطق الجمهورية فنتائجها متقاربة جدا مع المعدل الوطني...


ويبقى الرجال في بلادنا أكثر تفاؤلا من النساء والفرق الجندري يتجاوز النقاط التسع (81,4 % للنساء مقابل 72,7 % للرجال).
وفي المقابل نجد أن الطبقة المرفّهة هي الأقل تشاؤما (63,5 %) بينما تتجاوز الطبقة الوسطى بصنفيها (الوسطى العليا والوسطى السفلى) وكذلك الطبقة الشعبية المعدل الوطني للتشاؤم وعندما نحلّل منسوب التشاؤم. باعتماد البعد العمري نرى أن فئة الشيوخ (ما فوق 60 سنة) هي الأكثر تفاؤلا نسبيا (66,7 %) بينما الفئات العمرية الأكثر تشاؤما هما فئتا الشباب فالتشاؤم عند فئة 18 - 25 سنة قد بلغ 81,7 % وهو ينزل قليلا (79,6 %) عند فئة 26-30 سنة.
ويعود هذا إلى الصعوبات الجمة التي يجدها الشباب في بداية حياتهم العملية اليوم.

فلو أردنا أن نضع نموذجي المتشائم والمتفائل في تونس حسب ما تبينه هذه المعطيات لقلنا بأن المتشائم هو امرأة شابة (ما بين 18 و25 سنة) من ولاية صفاقس وتنتمي للطبقة الشعبية...
بينما المتفائل في تونس هو رجل فوق الستين من عمره ينتمي للطبقة المرفهة ويقطن إحدى ولايات الشمال الغربي...

يوسف الشاهد في منطقة البيْن بيْن
لقد تمّ استجواب هذه العيّنة كما قلنا يومي 25 و26 أوت الماضي أي قبيل منح الثقة لحكومة الشاهد بسويعات...
وعندما نسأل التونسيين عن مدى رضاهم عن تعيين يوسف الشاهد نرى نوعا من التململ في الإجابة فـــ 41,4 % راضون عن تعيين صاحب القصبة الجديد مقابل 39,8 % من غير الراضين... ولكن عندما ندقق في الإجابات نجد أن نسبة الراضين تماما هي في حدود 12,8 % بينما تصعد نسبة غير الراضين بالمرة إلى مستوى مرتفع: 28,5 %.

ونجد ترجمة لهذا في عدم ثقة الأغلبية النسبية للعينة في قدرة حكومة الشاهد على قيادة البلاد في المرحلة الراهنة إذ لا تحظى هـذه الحكومــة إلا بثقـة 42,6 % من المواطنين مقابل ارتياب حوالي النصف (49,4 %). ولكن لا تحرز هذه الحكومة قدرا كبيرا من الثقة إلا عند عشر التونسيين (10,4 %) بينما لا يثق فيها حوالي الربع (24,6 %).

هذا الانطباع الأول المزدوج نجده أكثر وضوحا في سؤال طريف وجه للعينة «لو كنت نائبا في البرلمان هل تمنح الحكومة الجديدة الثقة أم لا أم تحتفظ بصوتك؟» نرى هنا أن 40,7 % يحتفظون بأصواتهم مقابل 29,5 % مع منح الثقة و27,6 % مع عدم المصادقة.

وللتذكير فإن النواب قد صادقوا على الحكومة بنسبة 86,1 % ولكن الأرقام هنا لا تكتسي نفس المعاني فالاحتفاظ عند النواب هو علامة عدم ثقة بينما بالنسبة للمواطن هو مهلة للانتظار حتى يتبين له الموقف الواضح من هذه الحكومة وهذا يعني أن المؤشرات الإيجابية الأولية تتوازى مع المؤشرات السلبية مما يجعل هذا الجزء الهام من المواطنين في حالة تردد...

تراجع الرضا عن أداء رئيس الجمهورية
ظل الرضا عن أداء رئيس الجمهورية مرتفعا خلال سنة 2015 وبدايات 2016 حيث كان في حدود ثلثي العينة ولكن خلال الأشهر الأخيرة ما فتئ الرضا عن أداء صاحب قرطاج في تراجع مستمر إلى أن استقر هذه المرة في حدود النصف بالضبط (50 %) وهي أضعف نسبة منذ بداية الباروميتر السياسي في جانفي 2015 والوضع يزداد تعقيدا بالنسبة للباجي قائد السبسي عندما نعلم أن نسبة الراضين تمام الرضا عن أدائه كرئيس للجمهورية نزلت تحت السدس (16 % فقط) بينما ارتفعت نسبة عدم الرضا التام إلى ما فوق الثلث (34 %).

هيمنة المشاغل الاقتصادية والاجتماعية
ظلت الهواجس الأمنية مسيطرة إلى وقت طويل على أذهان التونسيين ولكن هذه المرة المشاغل الاقتصادية والاجتماعية هي المهيمنة على اهتمامات التونسي وقد يعزى ذلك إلى أمرين: أولهما عدم وجود عمليات إرهابية تذكر منذ ملحمة بن قردان (نذكّر بأن هذا الباروميتر أجري قبيل الأحداث الإرهابية بالقصرين) وثانيا سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لخشية التونسي من المستقبل تبعا لها.
فبالنسبة لعموم التونسيين أولوية الأولويات للحكومة القادمة هي المسائل الاقتصادية والاجتماعية بنســبة 60,3 % (تحسين الاقتصاد والحد من البطالة ومن غلاء المعيشة والتنمية في الجهات...) بينما لا تحتل المسائل الأمنية (مكافحة الإرهاب وإرساء الأمن) إلا 29,8 %.

              
ومن الطريف هنا أن نرى الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية والعمرية والجندرية كذلك...
فمكافحة الإرهاب هي الأولوية الأولى في الشمال الغربي (31,3 %) بينما تحسين الاقتصاد هو أولوية صفاقس (24,6 %) وصفاقس تستأثر أيضا بالريادة في أولوية التشغيل والحد من البطالة (20 %).
أما تحسين ظروف الحياة والحد من غلاء المعيشة فهو أولوية الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقيروان والقصرين) بنسبة 16,9 %)...
الاستثمار في الجهات الداخلية على رأس قائمة أولويات ولايات الجنوب الغربي (توزر وقبلي وقفصة) وكذلك إصلاح التعليم أما إرساء الأمن فنجد أن ولايات الوسط الشرقي (سوسة والمنستير والمهدية) في المقدمة بـــ 9,1 %.
ويعود الجنوب الغربي للمرتبة الأولى فيما يخص تحسن القطاع الصحي وتؤول الريادة في تحسين البنية التحتية للشمال الشرقي (بنزرت وزغوان ونابل).
النساء أكثر حساسية من الرجال في أولوية مكافحة الإرهاب (29,5 % مقابل 18,5 %). بينما تنقلب الآية في موضوع تحسين الاقتصاد (23,1 % مقابل 12,2 %).
الطبقة المرفهة تأتي في الطليعة في أولوية تحسين الاقتصاد ولكن كذلك في أولوية التنمية الجهوية والاستثمار في الجهات.

بينما نرى حساسية الطبقة الشعبية في موضوع تحسين ظروف العيش والحد من غلاء المعيشة كما أنها الأكثر حساسية في مسألة مكافحة الإرهاب، أما الشباب فأولوياتهم التشغيل وهذا مفهوم بينما يرتفع الهاجس الأمني عند فئة الشيوخ...
والغريب إلى حد ما هو أن مكافحة الإرهاب هي الأولوية المطلقة ومن بعيد بالنسبة للأميين (57,1 %) بينما نرى أن أولويات خريجي التعليم العالي هي تحسين الاقتصاد والتنمية والجهوية والاستثمار في الجهات...
هذه تونس بانتظاراتها المتنوعة والمتكاملة كذلك.. هواجسها متداخلة وهي تتلون ولا شك تحت تأثير العناصر الجهوية والتعليمية والعمرية والفئوية والجندرية ولكنه يظل تنوع وحدة لا تنوع فرقة على عكس ما يعتقده البعض...

تقييم الوضع العام في البلاد
هنالك استقرار في تقييم التونسي للوضع العام فهو يعتبر أن الوضع الأمني جيد بنسبة مرتفعة (82,1 %) على عكس الوضع الاجتماعي (سيء بالنسبة لـــ 77,1 %) أما الوضع الاقتصادي فهو سيء بالنسبة للأغلبية الساحقة (90 %).
ولكن إن كان الوضع الأمني جيدا جدا بالنسبة لـــ 32,1 % فإن الوضع الاجتماعي سيء جــدا بالنسـبة لــ 41,8 % من السكان أما الوضع الاقتصادي فقد حطّم كل الأرقام القياسية إذ هو سيء جدا بالنسبة لـــ 61,3 %..

ثقة التونسي في المؤسسات
تبقى ثقة التونسي مرتفعة للغاية وبصفة شبه إجماعية في المؤسسة العسكرية وهي مرتفعة جدا كذلك بالنسبة للمؤسسة الأمنية ولكن مع منسوب ثقة كبير أقل بكثير مما يحظى به الجيش (47,2 % مقابل 89 %).
والملاحظ هذه المرة هو صعود مؤسسات المجتمع المدني على حساب مؤسسات الدولة... ففي خلال شهر واحد ازدادت ثقة التونسيين في الجمعيات والمجتمع المدني بعشر نقاط كاملة لتصبح لأول مرة في المرتبة الثالثة مباشرة بعد الجيش والأمن ونجد في المرتبة الرابعة الأئمة ورجال الدين بزيادة 7 نقاط وصعد الإعلام بدوره إلى المرتبة الخامسة بزيادة أربع نقاط..


والملاحظ أن جل المؤسسات والهياكل السياسية والإدارية قد حسّنت من منسوب الثقة فيها بما في ذلك الأحزاب السياسية التي حافظت مرة أخرى على المرتبة الأخيرة... وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن التونسي يريد أن يتشبث بخيط الأمل وأن يستعين في ذلك بكل المؤسسات الأمنية والمدنية والرسمية المتاحة لديه وهذا مطمئن (رغم الضعف المفزع للثقة في الأحزاب) لأن ذلك يعني أن التونسي لا يرى مستقبله خارج الأطر الديمقراطية...

عندما يسأل التونسي عن الوضع المالي لأسرته هذه السنة مقارنة بالسنة الفارطة نراه يجيب بصفة كبيرة أن وضعه الحالي أسوأ (58,7 %) ولكن عندما يسأل عن الوضع المالي لأسرته في السنة القادمة نراه متفائلا إذ تعتبر الأغلبية أن هذا الوضع سيتحسّن (42,3 %) بينما تبقى أقلية هامة متشائمة (28,4 %) في حين أن الخمس (21,7 %) لا يعتقد أن الوضع سيتغير بالنسبة إليه ولأسرته.
ولكن عندما ينظر التونسي إلى المستقبل البعيد، أي مستقبل أبنائه عندما يصبحون كهولا فهو في حالة بين بيْن تتساوى أمامه احتمالات الأفضل والأسوأ مع امتياز طفيف للأولى (48,8 % مقابل 47,2 %).

يواصل وزير التربية صدارته في مؤشري الثقة والمستقبل السياسي للشخصيات السياسية.
والملاحظ هنا هو تبوّؤ رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد المرتبة الثانية في المؤشر الأول والثالثة في المؤشر الثاني.
ويبقى المهدي جمعة، رئيس الحكومة الأسبق، في موقع جيّد في المؤشرين وكذلك السيدة سامية عبو (المرأة الوحيدة في العشرة الأوائل) ومحمد عبو...
يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الحالي، يدخل في المرتبة الثامنة في مؤشر الثقة والسابعة في المستقبل السياسي.. ولكن الهام بالنسبة إليه هو حيازته على المرتبة الثانية في كلا المؤشرين عندما ننظر فقط إلى القاعدة الانتخابية الندائية...
فهل ستكون الانتخابات الرئاسية القادمة منافسة محصورة بين من تداولوا على القصبة؟

 

غدا:
ملحق بالألوان بأربع صفحات
خاص: سبر آراء العودة السياسية ونوايا التصويت في الرئاسية والتشريعية والبلدية

الجذاذة التقنية للدراسة
العينة: عينة ممثلة للسكان في الوسط الحضري والريفي، مكونة من 982 تونسي تتراوح أعمارهم بين 18 سنة وأكثر.
تم تصميم العينة وفق طريقة الحصص (Quotas)حسب الفئة العمرية، الولاية، الوسط الحضري أو الريفي.
طريقة جمع البيانات: بالهاتف
CATI (Computer Assisted Telephone Interviewing, Call-Center)
نسبة الخطأ القصوى: 3 %
تاريخ الدراسة: من 25 أوت 2016 إلى 26 أوت 2016

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115