الصلح الجزائي و 13.5 مليار دينار و460 متهم : من أين انطلقت القصة ؟

يبدو اننا بتنا في تونس في وضع مشابه للسجين الذي يقبع في «كهف أفلاطون» مقيدا بالسلاسل لينتهى به الامر الى ان يختزل العالم في الظلال التي يراها على جدار الكهف

ويغفل عن انه لا يرى الأشياء على حقيقتها المجردة بل يرى ظلالها المتحركة فيظن انها حقائق.
هذا الوضع باتت فيه البلاد اذا تعلق الامر بملفات شائكة لم تنجح المجموعة الوطنية بكل اطيافها في التحرر من قيودها لترى الواقع لا ظلاله على الجدار. وخير مثال عن ذلك ملف الاموال المنهوبة الذي ومنذ بداية معالجته أوقع الجميع في فخ الظلال فلم نبصر غيرها لأكثر من 12 سنة مرت دون ان يبحث احد عن حقائق ووقائع.
والظلال شكلت عناصر الخطاب الرسمي المتعلق بهذا الملف وبالأساس في نقطتين منه وهما حجم الاموال المنهوبة وعدد المتورطين في نهب هذه الاموال، لتنشأ قصص باتت اليوم حقائق بعد ان خضعت طوال 12 سنة لعملية بناء وإعادة بناء انتهت بصياغة مفادها اليوم ان حجم الاموال المنهوبة هو 13.5 مليار دينار تونسي وان عدد المورطين 460 شخصا.
صياغة تسللت خلال السنوات الفارطة الى كواليس السلطة وباتت «وقائع» بعد ان نطق بها لسان السلطة دون تدقيق او تمحيص أو تحر وهذا ما كشفه قول رئيس الجمهورية قيس سعيد في اجتماع لمجلس الأمن القومي بتاريخ 31 مارس 2020 جاء فيه على لسانه «... في سنة 2012، من مصدر حكومي كان المبلغ المطلوب من الأشخاص المتورطين في الفساد يتراوح بين 10 مليار و 13.5 مليار، ....كنت في ذلك الوقت اقترحت ...الصلح الجزائي مع هؤلاء .. وقد كانوا 460».
ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي قدمت فيها معطيات تتعلق بملف الاموال المنهوبة على لسان الرئيس ففي اول لقاء له مع سمير ماجول رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة بعد إعلان التدابير الاستثنائية في جولية 2021 قدم الرئيس ذات المعطيات القائلة بان حجم الاموال المنهوبة 13.5 مليار دينار وان عدد المورطين هم 460 شخصا وهنا قال ان هذه المعطيات تستند لما تضمنه تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد الصادر في 2011.
في هذا الخطاب الرسمي حددت مصادر المعطيات بأنها مصدر حكومي وتقرير لجنة عبد الفتاح بن عمر، وبهذا نقلت هذه الارقام من خانة معطيات اولية الى خانة وقائع مدققة على تم على ضوئها صياغة مرسوم الصلح الجزائي في مارس 2022 الذي تضمن رؤية الرئيس لمعالجة هذه المظلمة واستعادة اموال التونسيين المنهوبة على ان يقع توزيعها بين المعتمديّات بنسبة 80%، فيما توجه الـ20% الباقية كمساهمات في رأس مال الشركات الأهليّة . ليضاف الى حفنة من المراسيم التي تناولت مسالة استرجاع الاموال واولها المرسوم عدد 13 المؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلّق بمصادرة أموال وممتلكات عقارية ومنقولة لعائلة الرئيس السابق وأصهاره وعائلة زوجته وبعض رموز النظام، وقد ضبط هذا المرسوم قائمة فيها 112 شخصا قبل ان تتوسع القائمة في 2012 وتضم 131 شخص كانوا مشمولين بقرار منع من السفر ضمن قائمة ضمت 474 اسم لم تنشر بشكل رسمي.
تلك التطورات كانت نتاج قراءة لمضمون الفصل الاول من المرسوم عدد 13 لسنة 2011 الذي نص على انه «تصادر لفائدة الدولة التونسية وفق الشروط المنصوص عليها بهذا المرسوم وفي تاريخ إصداره، جميع الأموال المنقولة والعقارية والحقوق المكتسبة بعد 7 نوفمبر 1987 والراجعة للرئيس السابق للجمهورية التونسية زين العابدين بن الحاج حمدة بن الحاج حسن بن علي وزوجته ليلى بنت محمد بن رحومة الطرابلسي وبقية الأشخاص المبينين بالقائمة الملحقة بهذا المرسوم وغيرهم ممن قد يثبت حصولهم على أموال منقولة أو عقارية أو حقوق جراء علاقتهم بأولئك بالأشخاص».
هذا الفصل كان بداية القصة وكان بمثابة النار التي عكست الظلال على جدران الكهف، فتواترت المعطيات والتسريبات لتشكل السردية الراهنة التي لم تتضمن اية معطيات خضعت لعملية تدقيق او حقائق تم فحصها والتأكد من صحتها بل قامت على معطيات وتسريبات استمدت من الفصل الاول للمرسوم عدد13 لسنة 2011 عناصر لإضفاء مصداقية قبل ان يقع تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي وتصبح «حقائق».
فالى غاية اليوم لم يقع نشر اية قائمة تضم 460 شخصا ممن تلاحقهم شبهات الاثراء غير المشروع او نهب المال العام بل ان القائمة الوحيدة التي نشرت بشكل رسمي هي قائمة 112 والتي ضمت اسرة الرئيس السابق ووزراءه وبعض من المقربين لنظامه.
كما ان السلطات الرسمية ومنذ 2011 لم تقدم اية تقرير رسمي تضمن تقديرات لحجم الاموال المنهوبة بل من قدر حجمها هو تصريحات وتقارير غير رسمية ودراسات غير محكمة تتعلق بموضوع خسائر الاقتصاد التونسي جراء الفساد فذكرت ان خسائر الاقتصاد التونسي المتوقعة في فترة بن علي وقدرت بأنها تتجاوز 10 مليار دينار تونسي.
هذه الظلال باتت اليوم حقيقة في تونس اذا تعلق الامر بملف الكسب غير الشرعي التي حققها البعض بالتقرب من السلطة سواء في فترة بن علي او في فترة العشرية الفارط كما ينص مرسوم الصلح الجزائي.
ظلال باتت هي الحقيقة، مما اضاع على البلاد والعباد فرصة تفكيك شبكة العلاقات الزبونية التي اضرت باقتصادها بربح غير مشروع كان يفترض ان تكشف ادواته والياته وكيف كانت تشتغل هذه الشبكة لكن هذا اضعناه حينما انشغلنا بمطاردة ظلال سنكتشف بعد فوات الاوان انها وهم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115