برج بابل اللاّمغرب: كُلفةُ سنوات الهدر

نحن في زمن الهدر المغاربي، هو ليس هدرا اقتصاديا أو سياسيا فقط، هو أيضا هدرٌ نفسي واجتماعي وإضعاف داخل خرائط الجيو سياسة الدولية.

هناك دوما حديث عن الصّرح المغاربي وعن الوحدة المغاربية وعن الاندماج المغاربي بمناسبة وبدونها. كل سياق له تسميته الخاصة، ولكن في كل مرّة تقف النوايا أمام إكراهات حسابات كلّ دولة ضمن علاقاتها الخارجية وضمن رهاناتها الداخلية. لم يحدث أن وقع التعالي على هذه الاكراهات من أجل تحقيق هذا الصّرح الذي أصبح الآن ومذ سنوات موضوعا لسخرية الشعوب والنخب على السواء. لا أحد يؤمن فعلا بجدية المسألة وحتى المؤسسات التي وقع إحداثها من أجل هذا الجسم العليل لم تستطع أن تفرض نفسها وبالكاد يعرفها الناس ويعرفون المهمات التي تقوم بها.

في نهاية ثمانينات القرن الماضي وقع تأسيس اتحاد المغرب العربي. السياق الدولي كان مواتيا لذلك، بداية ضعف السيادات الوطنية زمن العولمة الجديدة، وبداية التفكير في كيانات تتعالى فيها الزعامات السياسية عن نرجسيتها في سبيل جسم جديد ولو كان مُتخيّلا. فكرة السيادة الوطنية المبالغ فيها عند النخب والقيادات والأحزاب هي التي كانت من أولى العوائق التي حالت دون حتى بدايات جيدة للموضوع. الكلّ تمترس وراء ماضيه وهويتة السياسية المنغلقة باقتصاديات مختلفة وبمقاربات للحكم متناقضة. هناك من كان يعتقد أن الصّرح المغاربي لا يُساوي شيئا تقريبا أمام الصّرح العربي وثمة من اعتبر نفسه محور هذا الصّرح. تتمّ الاحتفاليات كلّ سنة بهذا الإنجاز الباهت في ما يشبه رثاء ميّت لا يُراد دفنه.

المسألة الديموقراطية ضرورية لتحقيق مشروع إدماجي كما كانت تتطلع إليه نخب وزعامات المنطقة. وهذه مسألة شائكة لأن الوتيرة الديموقراطية لم تكن بنفس الدرجة لدى الدول المشكلة لهذا النموذج. وحتى مؤسسات الاتحاد لم تكن مؤسسات منبثقة عن تجربة ديموقراطية كما هو الشأن في تجارب أخرى، كل ما يرتبط بها هو تزكية من أنظمة سياسية وليس من إرادة شعبية عن طريق الانتخاب. وما حصُل هو أن هذا الإتحاد هو توسعة سياسية رديئة لأنظمة حكم. وحتى الذين يقع تسميتهم في مواقع قيادية في مؤسسات الإتحاد هم من الذين وقع إقصاؤهم من دوائر السلطة في بلدانهم. ولهذا بقيت كل دولة تعاني مشاكلها الداخلية المختلفة والمجهود الذي من المأمول أن يُبذل من أجل المغرب الكبير بُذل من أجل تمتين الأنظمة وتقويتها. هناك مشكلات أخرى منها الاقتصادي ومنها ما يرتبط بعشرية التسعينات في الجزائر وقضية الصحراء الغربية.

لم تستطع الدول المكوّنة لهذا الاتحاد أن تتجاوز مشكلاتها السياسية العويصة والعمل على تقويته بمقاربات أخرى. كان الإتحاد امتدادا لأنظمة سياسية، وهو ما جعل مؤسساته لا تعمل باستقلالية ولو نسبية عن الخلافات التي تقع وعن المشكلات التي تعيشها كل دولة على حده. لم يُعط الاتحاد عناصر القوة التي تجعله يتجاوز هذه المشكلات. وبقيت مثلا مسائل عديدة رهينة العلاقات الثنائية بين دول الإتحاد المغاربي. ومنها مثلا التبادل الطلابي الذي من المفترض ان يكون واسعا ودون قيود تُذكر وهو ما يعني يناء هذا الجسم من الأسفل وبمشاركة أوسع للمجتمع المدني وللقوى الحيّة في البلدان المغاربية. من العبثي أن تبقى علاقتنا مع الجزائر مثلا حبيسة أحداث ساقية سيدي يوسف 1958 والخطاب الممجوج حول الحدث الذي لم يطرأ عليه أي تغيير تقريبا منذ أكثر من نصف قرن.

تبدو الأزمة هنا رهينة تحولات جيوسياسية عديدة ولعلّ أهمها تراجع المشروع المغاربي تاركا مكانه لمشاريع أكثر تعقيدا ومنها الالتفات إلى شمال إفريقيا وإلى تدخل قوى أخرى تبحث عن موقع لها في المنطقة، ولكن المؤلم أن هذه القوى لا ترى نفسها في المواقع الجديدة إلاّ بالتمهيد لتفجير المنطقة وهو ما بدأت فيه فعلا.
يبدو أن ما يسمى بالصّرح المغاربي لا يمكن إنجازه في المدى القريب أو المتوسط، الأجيال القادمة كفيلة بذلك، ولكن إلى أن نصل إلى هذا المُبتغى علينا التفكير جيدا في عواقب التجاذبات التي بدأت تتعمق في المنطقة و لا نملك أدوات مواجهتها. الهدر المغاربي أكبر من قدرتنا على التخيّل..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115