أزمة التحوير وتناحر مؤسسات الدولة : لا مخرج إلاّ بالحوار

يبدو ان انفصال الفاعلين السياسين في البلاد عن الواقع المعاش المتأزم يجعلهم منشغلين بـ«تناحرهم» عوضا عن الانتباه إلى مؤشرات الخطر الذي بلغناه.

لتستمر الازمة ومعه تتعقد سبل حلها بأخف الاضرار طالما ان الجميع متمسكون بمواقعهم وبحساباتهم الضيقة.

نشر معهد تونس للإحصاء في بداية هذا الاسبوع المؤشرات العامة للثلاثي الرابع لسنة 2020، مع تقديم المؤشرات العامة لذات السنة وأبرزها مؤشر النمو اذ سجلت البلاد نموا سلبيا بـ8.8 % وارتفعت نسبة البطالة لتبغ 17.4 % وغيرها من الارقام المختلفة عما قدمته حكومة المشيشي في قانون ماليتها التكميلي لسنة 2020. هذه الثغرة يضاف اليها ما نشره البنك المركزي في موقعه الرسمي من ان الحساب الجاري للخزينة العامة للبلاد التونسية في 2021/02/15 مقدر بـ1664 مليون دينار.

هذه الأرقام ستنعكس على المالية العمومية وتوازناتها المنخرمة بطبعها، فقد ارتفعت نسبة النمو السلبي باكثر من نقطة ونصف فالحكومة قد توقعت في نوفمبر الفارط ان تكون النسبة سلبية بـ7.3 % ورسمت فرضياتها وفقها.
فرضيات اتضح انها خاطئة وان الصورة التي رسمت عن خطورة الوضع جانبت الصواب إذ أنه كان أشد خطورة مما قدم، وهذا سينتقل الى ميزانية 2021 التي ستقدم الحكومة مشروعا تعديليا لها، سيكشف حقيقة الازمة التي طالت المالية العمومية وحجم الانزلاق الذي ستتكبده البلاد.

وبات جليا ان الانزلاق وتدهور المؤشرات سيستمر ومعه تستمر الازمة الاقتصادية في التفاقم وإلقاء ثقلها على الوضع الاجتماعي الذي يشهد ارتفاع منسوب الاحتقان في الشارع، أضف الى ذلك اعلان الهاشمي الوزير مدير معهد باستور ان لقاح الكوفيد-19 لم يصل بعد وأن الدولة وأجهزتها يأملان ان يصل قبل نهاية فيفري الجاري، وفق وعود الجهات الدولية.
وضع كاف بمفرده للاقرار بان الازمة التي تعصف بالبلاد انتقلت بها من «وضع عصيب وضبابي» الى مرحلة الخطر وانسداد الافق» ، وهذا ما عبر عنه بيان المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل الصادر امس وفيه اعربت منظمة الشغالين عن «انشغالها لتأزّم الوضع» خاصّة بعد أزمة التحوير الوزاري الأخير والمأزق الدستوري.

ازمة التحوير التي افضت وفق بيان الاتحاد الى «تعطّل مصالح الدولة وإلى شلل عام لكلّ أجهزتها» ابت الا ان تفاقم من «تعقّد الوضع السياسي ودفعه في اتّجاه المجهول. دون ان يغفل عن ما اعتبره «حملات التجييش والتحريض على العنف والكراهية» التي يحذر من ان «تفضي إلى احتدام الصراع السياسي الاجتماعي في اتّجاه تعميم العنف».
خطر يحذر منه الاتحاد، شمل جل اوجه الحياة اليومية للتونسين : اقتصادي واجتماعي وصحي وسياسي. استوجب من الاتحاد ان يدعو في بيانه «المنظّمات الوطنية إلى توحيد الجهود للضغط من أجل إيجاد حلّ للأزمة الراهنة».

هذه الدعوة الى الضغط لإيجاد حل، تصدر في ظل تواصل التصعيد من قبل الاطراف المتناحرة في الدولة، وهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومن خلفه الاغلبية البرلمانية. اذ انهم وخلال الاسابيع الثلاثة الفارط تحرك كل منهم بهدف تعزيز موقعه وتضيق الخناق على خصمه.
تحركات افضت الى ان تصبح الازمة بين قصر قرطاج والقصبة مهددة للدولة التونسية وتدفع بها الى المجهول. وهذا ما تتجنب الطبقة السياسية الممسكة بمقاليد الحكم الاقرار به بشكل صريح وإذا اقرت بها القت بالمسؤولية على الطرف الاخر واتهمته بانه يدفع البلاد الى الازمة.
ازمة بات جليا ان المخرج الممكن المتبقى لها هو حوار شامل، لا يقف عند الجانب السياسي ومستقبل حكومة المشيشي بل يتجاوزها ليشمل رسم برنامج يحدد الاني والمستعجل لانقاذ البلاد ويرسم افق للمدى المتوسط.

حوار يبدو ان كل الابواب موصدة دونه اليوم. ولكن لا خيار غيره إلا ان يتخندق كل في موقعه وتجر البلاد الى فرضيات خطيرة لا يمكن توقعها. ولا مناص من ذلك الا بحوار ينطلق قبل فوات اوانه. وهو ما تقر به بعض مكونات الاغلبية البرلمانية ولا تعترض عليه الرئاسة ولكنها تضع شروطا.
حوار بات من الضروري ان يعقد بسرعة اذ لنا في تأخير مبادرة الاتحاد الداعية الى حوار وطني وبطء البحث عن حل لازمة التحوير حينما كان ممكنا درس للأغلبية البرلمانية ولرئاسة الجمهورية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115