ملف الجهاز السري والاغتيالات السياسية : بين القضاء وهيئة الدفاع والداخلية .... أين الحقيقة؟

الغاية لا تبرر الوسيلة، مهما كان نبل الغاية فان الوسيلة عليها ان تكون من جنس الغاية لا نقيضا لها.

للاسف هذا لم يحدث في محاولات الكشف عن حقيقة الاغتيالات السياسية في تونس.

خلال اليومين الفارطين تتالت الوثائق التي كشفتها هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لكن ما شكل الحدث، معطيات تتعلق بإخفاء وزارة الداخلية لوثيقة تكشف عن علمها بعملية باردو الإرهابية في 2015 لكن سرعان ما أعلنت الداخلية عن كونها «مفتعلة»، وقدمت حججها. حجج تلقفتها الهيئة بدورها واعتبرتها «كذب» ومحاولة للتنصل من المسؤولية، انظر مقال كريمة الماجري.

هذا اللغط والجدل العقيم حول صحة الوثيقة التي قدمتها هيئة الدفاع واعتبرت من خلالها ان الداخلية تواطأت وسمحت بوقوع عملية بادرو الإرهابية التي أودت بحياة 22 سائحا وجرح العشرات سيستمر طالما ان الموضوع الرئيسي لم يحسم، وهنا القضية الاساسية لا تتعلق بصحة الوثيقة فالأمر حسم وكشفت الوزارة أو عن كل مؤيداتها التي تبين أنها مفبركة، لكن اي حد يمكن ان تمضي جهة او طرف في «فعل/دفاع/نضال» لإثبات وجهة نظرها او كشف الحقيقة.

هذا الحد لا يرسمه فرد او مجوعة او جهاز أو تنظيم، إنما الإجماع المشترك على وجود حدود أخلاقية وقيمية لأي فعل في الفضاء العام، وهذه الحدود بمثابة الثوابت التي تقوم على قيم ومبادئ كونية لا تسمح بالاستثناء تحت اي ظرف، فمن دون ذلك ستقام شريعة الغاب، وهذا سيفتح الباب لحرب الكل ضد الكل.

حرب اندلعت شرارتها مرة أخرى خلال الأسبوع الجاري، الذي جدّت في مستهله الازمة بين اعضاء هيئة الدفاع عن الشهديين وقاضي التحقيق في ملف الجهاز السري لحركة النهضة، لاحقا تطور الامر ليجر كامل الجسم القضائي الى الصدام، محامون ضد قضاة، وبينهما غاب الاحتكام الى المنطق السليم وحلت محله القطاعية، ليشحذ كل طرف منهما سكاكينه ضد الاخر وتنطلق بينهما حرب الطواحين.

يبدو انه لم يعد كافيا التذكير بان الوسيلة في أهمية الغاية ان لم تكن أهم، فكلا الطرفين المتنازعين اليوم، محامون وقضاة، كل منها يشدد على انه يدافع على المرفق القضائي واستقلاليته وضمان محاكمات عادلة لكل المنتفعين بخدمات المرفق. هذه الغاية التي يعلنها كل طرف لكل وسيلة تحقيقها هي التي شابها الكثير، ونقف هنا لتجنب الخوض في ملف قضائي مفتوح وممارسة اي ضغط وان كان رمزيا على القضاء.

وكان من الممكن ان يقف الامر عند هذا الحد وان تهدأ حدة النقاشات الى حين ادراك الجميع وقوع الخطأ والتراجع عنه، بعيدا عن المكابرة وسياسية الهروب الى الامام والتصعيد، غير انه وللاسف لم يقع هذا اذ اختارت هيئة الدفاع فتح مواجهة جديدة مع وزارة الداخلية هذه المرة.

هيئة الدفاع ووفق مقولاتها تتحرك وتناضل لاثبات الحقيقة، في ملف الاغتيالات السياسية وهذا بدوره يحيل إلى كشف حقيقة الجهاز السري المتورط مباشرة في الاغتيالات والعمليات الارهابية - وفق مرويتها- هذه هي الغاية ولتحقيقها اتبعت الهيئة إستراتيجية دفاع تقوم على وسائل من بينها الضغط على كل المتداخلين في الملف، قضاء، حكومة، احزاب منظمات الخ... الوسيلة هنا ايضا تكيف وفق الإستراتيجية الموضوعة، ومن بينها الندوات الصحفية والوثائق التي تقدمها هيئة الدفاع فيها والاستنتاجات المرافقة لها، وهذا خيار اتبع منذ أكثر من سنة مع الكشف عن الجهاز السري ومصطفى خضر مما منح للهيئة افضلية نسبية في تحركاتها.

افضلية عززها التضامن والصدمة التي خلفها الكشف عن الجهاز السري لحركة النهضة الذي نشط في تونس بعد 2011، ووقع الكشف عنه بمحض الصدفة في 2013، قبل ان يعود الملف للنور في 2018 على يد هيئة الدفاع التي استفادت من الموجة ودفعت الى تحريك ملف الاغتيالات وفتح تتبع جديد في ملف الجهاز السري.

خطوات هامة حققتها هيئة الدفاع لكنها خلال اليومين الفارطين هدمت ما بنته، أي المصداقية، فالهيئة وفي خضم الجدل المحتدم بين اعضائها والقضاء، اختارت ان تغير نسق الاحداث بكشف معطيات جديدة عن الملف الذي تتهم القضاء بانه يتستر على كشفه.

معطيات تمثلت في وثائق ابرز ما تضمنته تلك المتعلقة بمراسلة سرية تكشف ورود معطيات للوزارة الداخلية عن عملية باردو الارهابية وكيف ان الجهاز السري للنهضة بالوزارة تجاهلها وسمح للعملية بالوقوع، هنا فتحت هيئة الدفاع معركة جديدة مع الداخلية متسلحة بمعاركها السابقة التي كشفت فيها عن معطيات حجبتها الوزارة وتلاعبت بها.

معركة ظنت الهيئة أنها ستصيب بها أكثر من عصفور ولكن للأسف ارتدت حجارتها عليها، لتصدق وزارة الداخلية هذه المرة وتكشف ان الوثيقة المقدمة مفتعلة اي مفبركة، وان الهيئة تعمدت تقديم ادلة كاذبة لتوجيه الراي العام.

في كل هذا الجدل واللغط بشان الوثيقة والصراع بين جناحي القضاء، هناك تجاوز وانحراف خطير يقع، وهو يتمثل في تبرير اي تجاوزات واخطاء باسم المصلحة العليا والحقيقة باعتبارهما غاية المتنازعين التي تبرر اية وسيلة متبعة، تدخل وضغط على القضاء ، افتعال ادلة وتوجيه لسير التحقيق والراي العام بأدلة ظرفية او مجتزئة وغيره من التفاصيل.

كل هذه الوسائل التي كان يرام بها تحقيق غاية نبيلة، نسفت الغاية، فالحقيقة التي تبحث عنها لا يمكن ان تتحقق بما يتناقض معها ولا يمكن ان ترتكب تجاوزات لبلوغها، خاصة إذا كان الامر يتجاوز ذلك ليصبح نسفا لاجهزة الدولة وتشكيكا، معه سننطلق في حرب الكل ضد الكل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115