إحداث لجنة تحقيق في شبكات التسفير إلى بؤر التوتر: لجنة صورية لن تكشف الكثير

يعلم من صوت بنعم على إحداث لجنة برلمانية للتحقيق في شبكات تسفير التونسيين إلى بؤر التوتر أنهم لن يكشفوا من الحقيقة إلا ما علم الجميع، وان أشغالهم ستنتهي بإدانة الحلقات الأضعف في السلسلة، التي يراد لها ان تغلق بعد أن فتحت على هامش مناقشة عودة الإرهابيين التونسيين

لتثار الذاكرة ويطرح سؤال من ساهم في وصولهم الى هناك، أليس منهم من بات يرفض العودة اليوم .

يتعامل البعض مع تاريخ تونس على انه كتاب يمكن أن تقتطع أوراقه فتمحى فصول منه دون أن يتغير السياق، ففي النهاية يراهن على ان للتونسيين ذاكرة سمك او أنهم أبناء «إيرستريب» في رائعة جورج أورويل 1984، التي حذر فيها من التلاعب بالتاريخ ليلائم السلطة السياسية. تلاعب بالتاريخ عبر إعادة كتابته.
وكتابته هذه المرة ستكون بإشراف من لجنة تحقيق برلمانية ستبحث عن المسؤولين عن تسفير التونسيين الى بؤر التوتر وبالأساس سوريا والعراق. لجنة بعثت للتقصي عن الشبكات المتورطة في عمليات التسفير ومن اشرف عليها ومولها.

صعوبات أمام لجنة التحقيق
أهداف اللجنة التي تريد كشف الحقيقة غابت عنها جملة من الوقائع التي تحول موضوعيا دون الوصول الى الحقيقة، فتصويت 132 نائبا بالمجلس لصالح إحداث هذه اللجنة وما يعني ذلك من مشاركة نواب حركة النهضة في تزكية هذه اللجنة التي تعتبر لجنة استثنائية ذات صلاحيات محدودة، بحكم النظام الداخلي للمجلس، الذي لا يمنحها اية قوة قانونية لإلزام المؤسسات او الأشخاص على المثول أمامها او تقديم معطيات محددة.

الحقيقة الموضوعية الثانية التي تنذر بان هذه اللجنة كما سواها لن تصل الى نتائج، وان وصلت فلن تكون أكثر من كشف الحلقات الأضعف في السلسلة، التي تورط فيها وزراء سابقون بصفة غير مباشرة، وقادة في حزب من الائتلاف الحاكم اليوم، سيكون ممثلا بـ6 أعضاء في اللجنة. هؤلاء الأعضاء الـ6 سيكونون حريصين على ان لا تنتهي أشغال اللجنة بإدانة سياسية لحزبهم.

هذه النقاط الموضوعية التي تبين إلى اي مدى قد تصل إليه أشغال اللجنة التي لن تستطيع إجبار- كمثال- نور الدين الخادمي، وزير الشؤون الدينية الأسبق في حكومة الترويكا، على المثول أمامها كما لن تستطيع النفاذ إلى أية وثائق رسمية. وعجز اللجنة سيؤدي الى توجيه أشغالها للبحث عن العلاقات والارتباطات بين شبكات تسفير وقع كشفها وسجن القائمين عليها، الذين تجاوز عددهم وفق أخر احصائيات رسمية عتبة 700 شخص، يتوزعون على أكثر من 300 خلية. هذا الرقم الأولي لشبكات التسفير، في انتظار احصائيات الثلاثي الأخير من سنة 2016، يكشف تشعب الملف الذي تبحث فيه لجنة التحقيق البرلمانية.

مسؤولية سياسية لحركة النهضة
تشعب ينطلق من تهيئة المناخ العام للبلاد في فترة حكومة الترويكا لتنشط فيه هذه الشبكات، وتستقطب المئات من التونسيين وتقنعهم بالذهاب إلى سوريا لمقاتلة نظام بشار الأسد، بعد ان هيّأ العشرات من «الأئمة» و«الشيوخ» الأرضية لهم، على غرار نور الدين الخادمي في فترة تقلده لمنصب وزير الشؤون الدينية وإمامته للصلاة في جامع الفتح بالعاصمة، الذي كان ابرز معاقل التيار السلفي الجهادي.

ففي خطابه حرص الخادمي وهو وزير على ان «يشجع» الشباب على الذهاب إلى سوريا ومحاربة نظام الأسد باعتباره أوغل في قتل شعبه من «أطفال وشيوخ» وان شبيحته هتكوا حرم بيوت الله وآذوا العلماء مما يحتم نصرتهم بما أمكن، ومن مات هناك «فله الشهادة».

ولم يكن الخادمي المحسوب على حركة النهضة وحده من شجع وحرض، فعشرات من الأئمة المحسوبين على الحركة روجوا لذات الخطاب المشجع على الذهاب الى سوريا، على غرار مختار الجبالي رئيس جمعية إسلامية سلفية، كان مقربا من حركة النهضة ومن تنظيم أنصار الشريعة المحظور، واستغل مرحلة انتشار التيار التكفيري ونشاطه علنا في تونس مستغلا توفير حركة النهضة لغطاء سياسي ، قبل ان ترفع يدها عنه وتعتبره وأتباعه «إرهابيين».

تورط مقربين من الحركة في تشجيع علني وصريح من منابر المساجد على سفر الشباب إلى سوريا، واستقبال العشرات من الأئمة المحرضين على «الجهاد» في سوريا، كالسعودي محمد العريفي، والمصري يوسف القرضاوي. أمر قد تفسره الحركة بأنها لا تفتش في ضمائر الناس وليست ملتزمة إلا بموقف رسمي يصدر عن هياكلها.

لكن ما لن تستطيع الحركة ان تتهرب من تحمل مسؤوليته هو تورط قياديين منها على غرار الحبيب اللوز الذي شجع في خطاباته التونسيين على السفر إلى سوريا ومقاتلة بشار الأسد، مستعينا بمعجم طائفي، إضافة إلى النائب في المجلس التأسيسي عن الحركة أبو يعرب المرزوقي الذي أعلن افتخاره بـ«الشباب التونسي» في سوريا واعتبرهم مناصرين للحق.

قادة الحركة هم من ورطوها وجعلوها تتحمل مسؤولية عن تضخم شبكات التسفير التي تقف خلف سفر جزء هام من 3000 تونسي في سوريا والعراق، ففي ظل نفوذها السياسي ومسكها لمقاليد الحكم في 2012و2013 ، غضت الحركة البصر عن «الهجرة للجهاد»، التي ظلت بعيدة عن خزانها الشبابي، ما عدى حالة معدودة.

شبكة دولية
الحركة التي لا يبدو انها تجهل انتشار شبكات التسفير ولا العلاقات الدولية لبعضها، التي انتصبت في ثلاث دول تونس، ليبيا وتركيا. وتولت مهمة نقل جزء من التونسيين وتكاليف سفرهم، التي يفضل الذاهبون ان تكون رحلتهم عبر أحد المسارين، تونس– تركيا، او من تونس إلى ليبيا برا، ومن ليبيا إلى تركيا جوا. فتركيا هي حلقة الربط الدائمة في مسار من يريدون الوصول إلى سوريا.

هذان المساران إلى سوريا يكشفان بوضوح وجود ارتباط مباشر بين الشبكات الناشطة في تونس وغيرها من الدول، التي بدورها تغاضت عن نشاط الجماعات الإرهابية في وقت سابق وسهلت عمليات استقطابها وتسفير الشباب إلى سوريا عبرها.
هذه العملية التي كانت في خريف 2011 ذات نسق منخفض ومنحصرة في السماح للعشرات بالالتحاق بالجيش السوري الحر قبل أن تلتحق مجموعة ليبيا بالحرب في سوريا وتفتح الباب على «النفير» الذي انتهى بظهور تنظيم النصرة ومن بعده «داعش».
تطورات سحبت دولا عدة الى المستنقع السوري، بعضها له علاقات طيبة مع حركة النهضة وأحزاب أخرى.

تشعب المشهد وتعقد تفاصيله وكثرة المتدخلين فيه، ينذر بان أشغال لجنة التحقيق لن تتقدم كثيرا، ففي ملفات كانت اقل تعقيدا عجزت لجان تحقيق بعثت عن كشف الحقيقة ومنها لجنة «وثائق بنما» ولجنة «أحداث الرش» ولجنة «أحداث 9 افريل»، وانتهت التحقيقات بـ«تطبيع» مع موضوع البحث وغلق للملف نهائيا.

هذه السوابق تبين ان البحث عن الحقيقة في ملفات لها بعد سياسي لا يتم بإحداث لجنة، طالما ان الجميع يعلم من يتحمل المسؤولية السياسية في النهاية، ولن يكشف الجديد بأشغال اللجنة التي أحدثت اثر فتح ملف العائدين من بؤر التوتر لاعتبارات سياسية. اعتبارات يبدو ان مرادها تسجيل نقاط وليس كشف تورط جهات عدة في ملف فرضته التطورات في سوريا والعراق على طاولة التونسيين.

وختاما لا يجب أن يغفل أعضاء اللجنة على انه من السهل تعقب مسار الإرهابيين من المدن التونسية إلى سوريا، لكن تعقب خطوات الوسطاء في شبكات التسفير صعب، خاصة وان هؤلاء الوسطاء جلهم خارج تونس، وبعضهم محمي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115