فيلم «مدينة دون سماء» لزين عيسى ضمن المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان في قاعة «الفن الرابع»: السينما تلتقط الحقيقة وتوثق للحرب والخوف

السينما ذاكرة الشعوب ووسيلة لتعريف المتفرج بمعاناة الآخرين، السينما مطية لكشف الحقائق المخفية في الاعلام الرسمي وهي وسيلة للدفاع

عن نضالات المهمشين ومساهماتهم في صناعة تواريخ وأمجاد بلدانهم بالدم والفكرة والساعد، عادة ما كانت الوثائقيات وسيلة سفر لاكتشاف الثقافات الاخرى والاطلاع على الاوجاع الانسانية التي تسببها الحرب، ولان السينما تشبه بطاقة الهوية اختار زين عيسى الوثائقي ليكشف لجمهور الفن السابع عن البعض من معاناة السوريين اثناء الحرب والقصف في فيلم وثائفي « مدينة دون سماء».

هل لك ان تتخيل حجم الدمار في سوريا؟ هل أن لديك القدرة على العيش لأعوام تحت صوت القصف إلى درجة تصبح خبيرا في انواع الاسلحة والرصاص؟ هل لك القدرة على مواصلة الحياة وأمام بيوت هدمت بالكامل وأشلاء بشرية بعضها لم يدفن بعد؟ هكذا يتساءل زين عيسى في فيلمه «مدينة دون سماء» الذي عرض ضمن فعاليات الدورة السابعة للمهرجان الدولي لأفلام حقوق الانسان ومحوره حقوق المراة والفئات المهمشة.

زاوية تصوير واحدة، بضع حمامات، مع الكثير من الموسيقى التي تصنعها الاسلحة الخفيفة والثقيلة، فوق احدى العمارات «اقطن اعلى العمارات، في الطابق الخامس، لذلك يمكنني مشاهدة بقية المنازل من فوق ورؤية الدخان الكثيف واستحضار اصوات الانفجارات وتمثلها» هكذا يقول صوت رجل يتحدث عن الحرب، ربما هو المخرج اختار ان يكون راويا للحكاية.

الكاميرا لا تتحرك هي فقط تتجه الى الأمام، من ثقب صغير وضعت بين الحاجز الحديدي والأسمنتي لتصور الخراب الموجود أمامها، اصوات الانفجارات وإطلاق الرصاص جعلت المصور خبيرا فيها، فهو يتقن التمييز بين صوت «الاربيجي» و «قذائف الهاون» و»الكلاشينكوف» لكل صوت موسيقاه الخاصة كما يقول، في فيلمه ترك زين عيسى للمتلقي حرية تصور مشاهد الموت والدمار التي سببتها الحرب، فتح له نافذة على الخراب وترك له كامل الحرية في صناعة مشاهد حسب رغبته الحربية وقدرته على رؤية الدم والموت.

«مدينة دون سماء» هو عنوان الفيلم، تدور احداثه في احدى العمارات بمدينة سورية، ترك المخرج المجال الاسمي مفتوحا لانه ليست للحرب حدود ولا للرصاص مواثيق، الصورة التي شاهدها جمهور الفن الرابع يمكن ان تكون في اي مكان يعيش على وقع الحرب وإطلاق النار، عمر المخرج 17عشرة قبل الحرب و 7اعوام بعدها كما يقول «سبعة اعوام من الموت والدموية والرصاص» كما يقول الصوت المرافق للصورة، فوق سطح العمارة وضعت الكاميرا التي نقلت صور الدخان الكثيف بعد انفجار كلّ عمارة وتساقطها ليطير غبارها عاليا ويصنع كتلا تشبه السحب، لكنها سحب لا تمطر ماء بل خوفا.
اثني عشرة دقيقة مدة الفيلم، اثني عشرة دقيقة لخصت اعوام من الحرب والخوف، دقائق معدودات هي تلخيص لأيام واشهر وسنوات عانى منها السوريين اثناء الحرب مع قوات داعش، دقائق قدمت للكثير من الظلام والوجع الذي تنقله الكاميرا، الالوان باهتة، السماء تكاد تكون رمادية، اثار الرصاص تصنع لوحة حفرية على الجدار، بقية العمارات اغلبها سقط طابقه الأخير، كلها علامات تحفز على الرحيل لكن صاحب الصوت يخير البقاء في البيت «يريدون اجبارنا على الرحيل، هم لا يعلمون ان بيوتنا بمثابة اوطاننا الصغرى حين نشعر بالغربة نهرب اليها، فالبيت وطن» كما يقول متسائلا عن كيفية ترك البيت والذكريات امام سيفونية الموت.

«مدينة دون سماء» فيلم وثائقي قدم القليل من اوزار الحرب وجبروت الرصاص، دقائق تنقل سنوات من الدمار، الكاميرا احيانا تغير زاوية التصوير لتركز على الشجيرات الصغيرة الخضراء اللون وزهورها التي بدأت تتفتح بعد موسم شتوي ممطر، هي مسحة من الامل تمررها الكاميرا للمتفرج، قد تكون القليل من الامل الذي يعيش به زين عيسى الذي خبر اصوات الرصاص ومعها عرف ان الامل هو رديف الحياة ونصير الحرية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115