فوانيس الهداية : التأني من الله (3)

• التَّأنِّي في طلب العلم:
قال تعالى: "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ" القيامة: 16.

ومِن أسرارها -سورة القيامة-: أنَّها تضمَّنت التَّأنِّي والتَّثبُّت في تلقِّي العِلْم، وأن لا يحمل السَّامع شدَّة محبَّته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلِّم بالأخذ قبل فراغه مِن كلامه، بل مِن آداب الرَّب التي أدب بها نبيَّه أَمْرُه بترك الاستعجال على تلقِّي الوحي، بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل مِن قراءته، ثمَّ يقرأه بعد فراغه عليه، فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلِّمه حتى يقضي كلامه.

• التأني المذموم:
على الرغم من فضائل التأني وامتداحه عقلاً وشرعاً ، فإن هناك نوعاً منه ليس من التأني الممدوح، إنه التأني في أمر الآخرة، وإنه في الحقيقة تثاقل ونوع غفلة ينبغي أن يجاهد المسلم نفسه للتنزه عنه. ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" التؤدة "أي التأني والتمهل" في كل شيء إلا في عمل الآخرة " أخرجه الحاكم.
*بين التأني والكسل والتراخي:
ليس التأني الذي نقصده، هو ذاك التباطؤ الذي يحول دون تحقيق الإنجاز، أو يؤدّي إلى تأخيره بحيث تنعدم الفائدة ويفوت المقصود، فهناك فرق بين التأني المعتمد على البحث والتقصي والنظر والمشاورة، وبين ذاك الذي سببه الكسل وعدم وجود الحرص والدافعيّة لإنجاز الأعمال وتحقيق التكاليف المطلوبة.
إنَّ التأنّي أمر متوسط بين التسرّع من جهة وبين الكسل والتراخي والخمول من جهة أخرى، وهو أمر نسبي ينبغي تقديره بناء على حال الشخص، والفعل المكلّف به، والظروف الراهنة، إلى غير ذلك من الأمور والاعتبارات.
إنَّ البعض قد اتّخذ من شعار التأني والتمهّل، أداة لقتل كل فكرة إبداعية، وكل مشروع طموح، وكل مبادرة جريئة، وما كل هذا إلاَّ لوجود الكسل الذي يحول دون الاطلاع والتحري والدراسة، ناهيك عن استخدامه كشمّاعة لتغطية صور القصور والإهمال والترهّل التي وصل إليها ذلك المُحبط ذو الدور السلبي الهدّام. الأمر الذي ينشر في محيطه عوامل الضّعف والتراجع والانهزام.

• من فوائد التأني:
لا شك أن التأني له الكثير من الفوائد التي ينتقع بها من اتصف به، ومنها:
أنه يعصم الإنسان مِن الضَّلال والخطأ قال الغزالي: "الأعمال ينبغي أن تكون بعد التَّبصرة والمعرفة، والتَّبصرة تحتاج إلى تأمُّل وتمهُّل، والعَجَلَة تمنع مِن ذلك، وعند الاستعجال يروِّج الشَّيطان شرَّه على الإنسان مِن حيث لا يدري".
وقال أبو إسحاق القيرواني: "قال بعض الحكماء: إيَّاك والعَجَلَة؛ فإنَّ العرب كانت تكنِّيها أمَّ الندامة؛ لأنَّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكِّر، ويقطع قبل أن يقدِّر، ويحمد قبل أن يجرِّب، ويذمُّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصِّفة أحدٌ إلَّا صحب النَّدامة، واعتزل السَّلامة".

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115