الفنان التشكيلي طاهر عويدة لـ «المغرب»: الفنان سفير الحب والسلام في كلّ الأوطان والأزمان

من البحر يستمد الفنان التشكيلي طاهر عويدة الإلهام والخيال والجمال... ,وتبدو لوحاته وكأنها مبلّلة بموجه الأزرق، كما تصبح ألوانه مرآة عاكسة لتدرجات اليمّ في مده وجزره...

من لوحة إلى لوحة ، كثيرا ما يرتحل بنا هذا البحر الساحر، الصاخب، المراوغ إلى آفاق بعيدة من الحرية والانعتاق والتأمل... في الدورة 33 مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية التقينا مع المبدع طاهر عويدة الذي كان يغوص تحت مياه البحر ليعود بصدفات من درر الأشكال والألوان والأحلام يوّزعها على لوحة مشحونة بالسؤال والوجع وهو الذي يحمل في قلبه وعلى قميصه جرح «بيروت» النازف وقد بكى بحرها وذُعر سمكها ذات انفجار... ذات مأساة !

• بعد أن عزفت «أنشودة الحياة» في معرضك الأخير بسيدي بوسعيد، تأتي إلى المحرس لترسم البحر على ضفاف بحر مدينة حالمة،. فكيف وجدت مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية في دورته 33 الاستثنائية شكلا ومضمونا؟
جئت إلى المحرس وأنا أحمل همّ مدينة ساحلية ومتوسطية وحالمة شبيهة بالمحرس. هي بيروت، المدينة المسحورة بالبحر والجرح النازف في ذات كل فنان غيور على المتوسط وعلى جمالية المدن العربية. ما حدث في بيروت أثر في وترك بصمته في ريشتي وفي ألواني فجسدت هذا الشعور في لوحة يتعانق فيها الحصان والقصيدة في رمزية للانطلاق والتحرّر والانتفاضة على الواقع المرّ. إننا بالفنّ نعيد بناء وطن وترميم ما هدمته الجغرافيا وفرقته السياسة... كما إن الفنان سفير الحب والسلام في كلّ الأوطان والأزمان وهذا ما نحاول تجسيده في الدورة 33 من مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية بإمكانات بسيطة ولكن بآمال كبيرة لنثبت أننا نحن الفنانين والتونسيين قادرون على التغيير والتأثير.
هي المرة الثالثة التي أشارك فيها في هذا المهرجان العريق، ولكن في هذا العام ساءني الوضع البيئي كثيرا. كنت أتمنى أن يكون المحيط الذي يحتضن المهرجان أجمل من «نيس» ولكن وجدنا الفضلات والأوساخ تحاصرنا من كل حدب وصوب و»حديقة الفنون» الجميلة تحوّلت إلى مزبلة في صورة مخجلة يُندى لها الجبين دون أي لفتة أو اهتمام من البلدية ! فكيف يمكن أن نبدع لوحات ومنحوتات بديعة ونمارس فنا راقيا وسط مزبلة وفضلات؟
في هذا السياق، أدعو إلى أن تحمل الدورة القادمة شعار «الفن في خدمة البيئة» حتى يحافظ مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية على مكانته كمرجع للفنون وعلامة فارقة في مشهد الفن التشكيلي التونسي ومن أجل التحسيس بخطورة الوضع البيئي في تونس وبضرورة الاعتناء بجمالية المدن وإنقاذها من التنصيبات المسيئة للجمال في ساحاتها ومداخلها...

• يحضر البحر مادة وخامة ومساحة ألوان في لوحاتك... فبماذا أوحى لك الموج من أسرار للرسم في مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية ؟
إنّ البحر هو الأكاديمية التي علمتني سحر الألوان، فالبحر وهبني الكثير وأنا الذي كنت غوّاصا أجوب موانئ البحر الأبيض المتوسط منذ نعومة أظفاري من خلال مرافقتي لوالدي البّحار في رحلات الصيد حيث كان والدي شبيها بالبحار الذي تحدث عنه «حنّا مينة» في رواياته ... هذا البحر جعلني في رحلة شبه أسطورية مع المتوسط كمجال ثقافي ومعرفي وبيئي كذلك إذ أني أشارك في تظاهرات بيئيى خارج تونس، كما أمثّل تونس سنويا في تظاهرة «البحر يحتفل»... إن البحر عندي ليس مجرد ديكور طبيعي محايد بل هو ثقافة ثورة وحياة.
في لوحتي الأولى التي أشارك بها في الدورة 33 من مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية، رسمت حصانا يشبه في اندفاعه ثورة موجة البحر التي تأتي إلى شاطئ المحرس بكثير من الحب والأمان والسلام... ولكنها أيضا تطلق صيحة فزع لإعادة النظر في الوضع البيئي بمدينة الفنون التي شوّهت جمالها أكوام الأوساخ.
أهدي هذه اللوحة إلى بيروت الجريحة وهي تئن وسط الرماد فلا يجب أن ننسى العلاقة التاريخية بين قرطاج وصور وأسطورة امرأة اسمها علّيسة !

• النهل من جمالية الخط العربي في الفن التشكيلي ليس بالأمر الجديد إذ اهتدى إليه كثيرون على غرار الفنان التونسي العالمي نجا المهداوي... فأين يكمن تجديد الفنان طاهو عويدة في الرسم بالحروف؟
أنا لست خطاطا بالمفهوم الأكاديمي للكلمة، أنا أحاول أن أعطي للحرف مساحة أو حركة خارجة عن نمطية القواعد... وكم هو جميل أن يحمل مضمون اللوحة التشكيلية مقاطع من قصائد أو نصوص أو أقوال خالدة ولنا في تونس أكثر عشرات المبدعين الذين كتبوا بدم القلب. فلمَ لا نجسّد أشعار أبي القاسم الشابي عن الحب والوطن والحياة في لوحات وأعمال فنية؟
طبعا تجربة الفنان نجا المهداوي تستحق كل الاحترام والتقدير وكذلك مسيرة الفنان العراقي المقيم بأوروبا حسن المسعودي في التحليق بأجنحة الحرف العربي في سماء الفن التشكيلي ولكن الفن بحر لا شاطئ له ولكل أسلوبه وبصمته ...
وعلى مدى عشرية كاملة قمت بتصدير تجربتي من تونس إلى سويسرا و فرنسا وايطاليا وبلجيكيا والولايات المتحدة الأمريكية .. وكان كل طموحي أن أكسب العمل التشكيلي خصوصية وميزة وأن أعطي اللوحة هوية تشكيلية.

• في خضم الجدل والصخب حول مشروع قانون الفنان والمهن الفنية، ما هو اقتراحكم من أجل واقع أرقى يليق بجمال الفن التشكيلي ورؤاه وآفاقه ؟
إنّ واقع الفن التشكيلي في تونس يغرق في مشاكل لا تحصى ولا تعدّ من بينها الصعوبات المادية وافتقاد بلادنا إلي سوق حقيقية للفن... كما لا ننكر أن كل القطاعات الفنية دون استثناء تتأثر بحال البلاد والوضع العام بما في ذلك تبّعات الأزمة الصحية بسبب «كوفيد 19». ممّا لا شك فيه أن نسخة مشروع قانون الفنان والمهن الفنية في حاجة إلى مراجعة وإعادة نظر استئناسا بآراء الفنانين والمختصين والنقاد حتى يكون محلّ إجماع الأغلبية حتى لا نقول الجميع.
في المقابل، علينا أن نعترف بأن المشهد التشكيلي في حاجة إلى غربلة وإعادة ترتيب وتوزيع للمهام والألقاب، كما علينا طرح التساؤل التالي : هل أن خريجي معاهد الفنون الجميلة هو بالضرورة فنانون أم مشروع أساتذة يلّقنون المعارف وينقلون المعلومات؟
وشخصيا أعتقد أن المادة أو المال لا يصنعان الفنان المبدع بل إن الفنان هو من يحوّل القبح إلى جمال ، واللاّشي إلى شيء، والخراب إلى روعة... لأنه وحده الذي يملك مفعول السحر في اكساء ما لفظته الطبيعة بثوب البهاء وتحويل المخزون المنسي للوطن إلى طاقة وثقافة. ولا شئ غير الثقافة يغيّر الشعوب ويبني الأوطان ويضمن الخلود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115