في مخالفة لكراس شروط بعث القنوات التلفزية : إيقاف البرامج الثقافية اغتيال لإعلام الإنارة في عصر الإثارة

«توقيف برنامج بيت الخيال جريمة داعشية أخرى في حق الثقافة والفكر والإبداع.نريد تفسيرا لمبررات هذا التوقيف». كان هذا تعليق الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، قبل حوالي يومين من رحيله، على نبأ إيقاف بث حلقات البرنامج الثقافي «بيت الخيال» الذي يقدّمه الروائي

كمال الرياحي على قناة الوطنية 1. ولم يكن موقف «أولاد أحمد» سوى صرخة غضب في وجه محاولات إخماد صوت الثقافة واغتيال فكر المثقف...

وإن خطفت يد المنون روح الشاعر الصغير أولاد أحمد وهو بصدد التدخل لدى إدارة التلفزة التونسية قصد التوصل إلى حلّ إشكال برنامج «بيت الخيال» والحفاظ على موعد بثه الأسبوعي مساء كل ثلاثاء، فيبدو أن حضور البرامج الثقافية الحقيقية والجادة مهدد بالاندثار أمام غزو ثقافة «البوز» وتكاثر برامج «الشو»...وهو ما يعكس انحرافا خطيرا في وظيفة الإعلام نظرا لدوره في تثقيف وإنارة الرأي العام .

«بيت الخيال»...بين الواقع والخيال !
في عصر أصبحت فيه البرامج الثقافية شبه منعدمة على شاشات القنوات التونسية، جاءت ولادة برنامج «بيت الخيال» كمحاولة لإعادة الاعتبار للحياة الثقافية والفكرية والأدبية ...فكانت هذه البادرة بمثابة السّباحة عكس التيار أمام انتشار البرامج «السطحية» و»المسطحة» الفاقدة للعمق في الطرح ومتانة الفكر، لكنها أثبتت وجودها وحازت على إعجاب أو على الأقل على رضاء عدد من متابعي الشأن الثقافي والإبداعي. وبعد مسيرة نضال للثبات والاستمرار بالرغم من تواضع الإمكانيات وقلّة التشجيعات فقد استمر برنامج «بيت الخيال» في بث حلقاته إلى حين حدوث إشكال في الأيام الأخيرة بين مقدم البرنامج وصاحب الفكرة الروائي كمال الرياحي وإدارة التلفزة الوطنية. وإن علّق الرياحي بأن «البرنامج يمرّ من مرحلة الإسكات إلى مرحلة القرصنة لتحويله إلى برنامج تافه» وبغض النظر عن أسباب الخلاف، فإن الأهم هو الحفاظ على وجود هذا البرنامج الثقافي حتى لا يجرف إعصار الرداءة ما تبقى من ثمرات الفكر الحر والنقدي وما علّق من إبداعات الخيال في رفوف مكتبة «بيت الخيال»...

«مغربنا في التحرير والتنوير»...أيّ مصير؟
أيّ نصيب للثقافة في شبكة برامج القنوات التلفزية سواء كانت عمومية أو خاصة ؟ وماذا عن حضور البرامج الثقافية على شاشات التلفازات التونسية؟ طبعا، الإجابة لا تحتاج لجهد أو دليل، فالصورة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار! فذات يوم، كان يسطع نور الفكر على شاشة «قناة نسمة» مع البرنامج الثقافي العميق «مغربنا في التحرير والتنوير» الذي يقدمه الكاتب والناقد عبد الحليم المسعودي، إلا أن هذا القبس من النور انطفأ في الفترة الأخيرة ليغيب البرنامج في الزحام ويضيع في زحمة برامج الفرجة والصورة المثيرة !

وإن أكد صاحب البرنامج لـ»المغرب» عدم درايته بالأسباب التي أدت إلى إيقاف البرنامج منذ شهر ونصف فإنه علق على انسحاب أو سحب البرامج الثقافية من شبكة برمجة القنوات التلفزية بالقول :» للأسف لم يعد من مكان للمادة الثقافية في تلفزاتنا التونسية أمام سيطرة الهاجس الربحي والرهان التجاري. وهو ما تسبب في هيمنة برامج الفرجة والبذاءة والرداءة والمصيبة أن التلفزة العمومية بدورها قد تخلت عن وظيفتها التثقيفية لتنخرط في موجة الانحطاط المعرفي والفكري !»

أين الهايكا ؟
عند خذلان التلفزات الخاصة لآمال الجمهور العريض، تبقى الآمال معلقة على تلفزة الشعب لرأب الصدع وتعديل الكفّة ولكن يبدو أن نصيب البرامج الثقافية في برمجة التلفزة العمومية لا يختلف عن حظها على شاشات القنوات الخاصة. وإن كان الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية مصطفى لطيف قد صرّح في حوار سابق مع «المغرب» بما يلي: «للأسف الثورة التونسية لم تسبقها ثورة ثقافية على شاكلة ما حدث في كل ثورات العالم ... ومن المؤلم أن تغرق البلاد طيلة سنوات في صحراء ثقافية قاحلة .واليوم يجب أن تسترجع الثقافة مكانتها وبريقها وألقها, وهنا يأتي دور....

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115