كيف نبني "مواطنا مناخيا"؟

أكدت الوقائع والظروف المتصلة بالوضع البيئي وتسارع وتيرة تغير المناخ
وانعكاساته على البيئة ونوعية العيش في بلادنا ضرورة تعزيز التدخل الوطني والدولي والمواطني لإحكام التكيف و المواجهة. إلى جانب الحاجة إلى التمويل الخارجي والجهود التي تقوم بها الدولة في حدود إمكانياتها، لا يمكن تجاهل أهمية المسؤولية التي يمكن أن يتعهد بها الفرد والمجتمع تجاه هذا التحدي المناخي.وهذا ما حاول أن يبينه كتاب “تحدي التكيف معظاهرة التغير المناخي”،من تحرير خبراء من جامعة أوسلو بالنرويج والصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج البريطانية. حيث يخلص الكتاب إلى أن “تحدي التكيف مع تغير المناخ ينطوي على العمل الجماعي والفردي على حد سواء، وما ينبغي على الحكومات القيام به لفرض النظام والاستدامة على السلوك المتهور والمدمر من قبل الأفراد”. ترى سلمى خليفي في تقرير لها في إيكومينا أنه "لا يمكن التقليل من دور نمط الاستهلاك لدى المجتمع والسلوكيات الفردية في إحداث الفرق في هذا المجال، فالاستهلاك غير الرشيد للموارد من المياه والطاقة يتسبب في الضغط عليها وإرهاقها. وتعتبر معدلات استهلاك المواطن التونسي للمياه، مثلا،عالية مقارنة مع محدودية الموارد المائية في تونس وتضررها من التغيرات المناخية.وقد أكد مسؤولون أن “التونسي يستهلك يوميا 140 لترا من الماء، لا يشرب منها سوى لتر ونصف أو لترين”، في وقت يبلغ فيه نصيب الفرد من الماء في تونس 380 متر مكعب سنويا، وهو ما يعني أن البلاد تعيش تحت خط الفقر المائي الذي يقدر 1000 متر مكعب سنويا، وفق ما تؤكده منظمة الأمم المتحدة. الأمر الذي يجعل الترشيد في الاستهلاك ضرورة لا خيارا. ويمكن الإشادة في هذا الإطار بالحلول التقليدية التي يلتجئ إليها المواطن التونسي لإدارة أزمة الماء على الصعيد الفردي والعائلي من خلال الاعتماد على “الماجل” و”الفسقية” كوسائل لتخزين مياه الأمطار، قصد استغلالها المنزلي أو لري النباتات وسقي الدواجن والمواشي خاصة عند انقطاع مياه الشرب المتكررة خلال الصيف. وقد دأب التونسيون منذ القدم على حفر “المواجل أو “الفسقيات” كجزء أساسي من المنزل. كما أن هذه العادة في طريقها إلى إعادة الإحياء وذلك بتشجيع من الدولة، حيث بدأت مؤخرا وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية في تمكين مالكي المساكن الراغبين في بناء “ماجل” لتجميع مياه الأمطار التمتع بمنحة أو قرض وذلك من الصندوق الوطني لتحسين السكن طبقا للشروط المضمنة بالأمر الحكومي عدد 1125 لسنة 2016. وفيما يتعلق بمجال الطاقة، أصبحت اللاقطات الفولطوضوئية، التي بدأت تنتشر على أسطح المباني، مكونا جديدا للمشهد العمراني التونسي. إذ يسهل القانون التونسي للأفراد والمؤسسات العمومية والخاصة إنتاج حاجياتهم من الكهرباء بالاعتماد على الطاقات المتجددة وخاصة منها الشمسية. وهو ما يفسر إقبال المواطنين والمستثمرين على استغلال هذا الحق في توليد الطاقة. ولئن يهدف المواطنون إلى تركيز لوحات الطاقات الشمسية هذه لتوفير مصاريف الكهرباء والفواتير الباهظة، والتخلص من الانقطاع المتكرر للكهرباء، الذي توفره الشركة العمومية للكهرباء والغاز، وخاصة خلال فترة الذروة الصيفية، فإن هذا يندرج في إطار الجهود التي تبذلها تونس في المساهمة في تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة، حيث يمثل ترشيد استهلاك الطاقة وتوجهها نحو الاعتماد على المصادر المتجددة كالشمس والرياح هدفا هاما بالنسبة للبلاد، تحققه في محاولتها للتكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثارها السلبية. فمع تزايد مخاطر التغير المناخي على البلاد التونسية، التي أكدت الدراسات الدولية على أنها تنتمي إلى أكثر المناطق في العالم تضررا من هذه الظاهرة وأشدها هشاشة تجاهها، تتزايد الحاجة إلى إيجاد الحلول اللازمة لمعالجة هذا التحدي الخطير. وفي ظل صعوبة تطوير المشاريع الكبرى المتعلقة بالتكيف مع التغير المناخي وتبعيتها للتمويل الخارجي، تبرز أهمية تعبئة الجهود وإن كانت فردية في مواجهة تحديات هذه الظاهرة. وهنا يأتي دور الإعلام والمجتمع المدني في رفع مستوى الوعي لدى الأفراد والمجتمع بفاعلية دورهم في هذا المجال. يعد مفهوم المواطنة البيئية العالمية مساهمة تنطلق من تغيير مركز المواطن من كونه جزءا من المجتمعالمحلي فحسب الى كونه جزءا من المجتمع العالمي، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات تقع على عاتقه فيالحفاظ على كوكب الارض، ومجمل مشاركته الوطنية والعالمية لتحقيق ذلك. ذلك ان فكرة المسؤولية كانتعلى الدوام في جوهر فكرة المواطنة. إن المواطنة البيئية العالمية تعتمد على مجموعة مترابطة من السلوكيات فكل انسان هو مواطن ينتمي لهذا العالم ولديه مسؤولية مشتركة تجاه الارض التي يعيش عليها، ليحيا بسلم وامن وكرامة. المواطنة المناخية هي مسؤولية الفرد والمجتمع تجاه كوكب الأرض، وتتمثل في الوعي بالسلوكيات البيئية، واتخاذ إجراءات عملية للتخفيف من التغير المناخي. تشمل هذه المسؤولية: ترشيد الاستهلاك، تقليل انبعاثات الكربون، التكيف مع التحديات المناخية، ودعم التنمية المستدامة تتجلى أبعاد المواطنة المناخية في عدة محاور أساسية: • الوعي البيئي:فهم أسباب التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري، وإدراك حجم التأثيرات طويلة الأجل مثل الاحتباس الحراري. • المسؤولية الفردية:تبني عادات استهلاكية مستدامة مثل تقليل استخدام البلاستيك، الحفاظ على الموارد المائية، والاعتماد على الطاقة النظيفة. • المشاركة المجتمعية:دعم المبادرات المحلية، ونشر الثقافة المناخية داخل المجتمع، والضغط الإيجابي نحو السياسات الصديقة للبيئة. للاطلاع على التوجيهات الرسمية حول خطط التكيف، يمكنك مراجعة تقارير أسباب تغير المناخ وآثاره في الأمم المتحدة. إذا كنت مهتماً بالمزيد، أخبرني: • هل ترغب في أفكار عملية لتطبيق المواطنة المناخية في حياتك اليومية؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115