منبــر: من هو «قيس سعيد» ؟

بقلم: محجوب لطفي بلهادي
باحث مختص في التفكير الاستراتيجي

بعيدا عن قراءة الكف أو الرٌجم بالغيب وعلى نقيض ما يٌروّج على نطاق واسع بأن الأستاذ قيس سعيد شخصية مٌشفّرة تحتاج الى تطبيقة ذكية لفكّ رموزها فان الحوار الصحفي الذي أجراه مؤخرا مع موقع الجزيرة.نت رسم بالقدر الأدنى معالم شخصية مفاجأة الدور الأول من الرئاسيات دون منازع.
عشر أسئلة مقابل عشر أجوبة - الأنموذج الصحفي التقليدي المغلق الذي يٌحبّذه أستاذ القانون الدستوري - سنستمد منها أهم الأفكار التي تٌشكّل الأسس والمرجعيات الفكرية التي يتحرك ضمن أفقها ساكن قرطاج المحتمل.

- الأطروحة الأولى: عداؤه المستبطن للأحزاب من خلال رده الحاد عن أحد الأسئلة: « لم انتم لأي حزب ولن انتمي حتى أموت. عشت مستقلا وسأموت مستقلا».. مقاربة غير بعيدة عن مقولة ألفتها المنطقة العربية لسنوات خلت «من تحزّب خان» للعقيد معمر القذافي، فكانت النتيجة انهيار «دولة الشعب» بمجرد سقوط «قائد الشعب»...

- الأطروحة الثانية : « أنا انتمي الى حزب الشعب التونسي، وهو لا يحمل تأشيرة وزارة الداخلية» تحيلنا مباشرة الى خطاب فوضوي قديم يعود الى أواخر القرن التاسع العشر عندما دخلت جموع الثائرين الى العاصمة الفرنسية في غزوة «كومونة باريس» الشهيرة - حكومة بلدية ثورية استولت على باريس لمدة شهرين سنة 1871- حينها طٌرح السؤال حول الانتماء الحزبي للثوار فأجاب أحدهم على الفور « نحن ننتمي الى حزب الشعب الفرنسي الكادح» .. فنشوة الانتصار التي غمرت قسما كبيرا من البطانة المٌقرّبة للأستاذ قيس سعيد حرّك لديها رغبة جامحة في استعادة مجد «كومونة باريس» على الأرض التونسية...

- الأطروحة الثالثة: مٌرشّح للرئاسيات دون حملة.. وبرنامج انتخابي يٌصاغ بالتفويض الشعبي «الشبابي» بقوله « أنا لم أقدم برنامجا انتخابيا ولم أقم بحملة، لقد كانت حملة تفسيرية أدارها الشباب بأنفسهم وهم الذي تولوا رئاسة الجلسات.. برنامجهم جاهز...».

- الأطروحة الرابعة : تنظير صريح لإقامة مشروع اللادولة من خلال تطبيق معمارية التصعيد المؤسساتي من تحت الى فوق تحت ذريعة الشعب يريد «وقد طرحت منذ 2011 ذلك، فعندما طالبت بالاقتراع على الأفراد في مجالس محلية وأن تتم تزكية المترشح من قبل عدد من الناخبين مناصفة في التمثيلية وليس في الجنس داخل المجلس النيابي...» ليضيف «ثم من المجلس المحلي يتم التصعيد إلى المجلس الجهوي، أي الولاية ونعتمد القرعة في التمثيلية وبالتداول وذلك من أجل فرض رقابة داخلية للحد من الفساد، فضلا عن رقابة المواطنين. والمجلس الجهوي يتولى التأليف بين مختلف المشاريع، ثم كل مجلس محلي ينتخب ممثلا له في مجلس النواب».

- الأطروحة الخامسة : إضفاء مسحة طهوريّة متديّنة على مختلف أطروحاته لغاية التمويه والتشويش المفاهيمي.. «فالمساواة التي ينص عليها الدستور التونسي هي بين المواطنين والمواطنات. أما الإرث فهو في دائرة شخصية، وأضرب مثالا فالزوج مطالب بالإنفاق على زوجته ويمكنها ان تشتكي عليه فهل يمكن للزوج أن يطالب المرأة بالعكس؟ إنها منظومة كاملة قائمة على العدل ولا يمكن اقتطاع جزء من الكل. والشريعة الإسلامية منصوص عليها في مجلة الأحوال الشخصية التونسية...» و«من بين المغالطات التي عشناها على مدى عشرات السنين هي الدولة المدنية ودين الدول، فالدول لا يمكن أن تكون مدنية ولا يمكن أن تكون دينية فليس هناك يوم حشر للدول، ولن تمر على الصراط. هي مفاهيم تسللت إلى الفكر العربي الإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر رغم أن الدولة ليست ذاتا بل هي من قبيل الخيال والتصور ولا يمكن أن يكون لها دين. وقد تم ترتيب جملة من النتائج القانونية عليه وأفتح قوسين هنا لأقول إن الصيغة التي تم الأخذ بها في دستور تونس لسنة 1959 هي صيغة ليست من وضع المرحوم الحبيب بورقيبة وإنما وضعها المرحوم «علي بلهوان (دينها الإسلام) وجاء دستور 2014 ليضيف المدنية. وفي الواقع ليست هناك دولة مدنية حتى في الفكر الغربي ولكن هناك حكم مدني أو حكومة مدنية وحالة مدنية ولكن ليست دولة. ورغم ذلك رتبت جملة من النتائج على مفهوم غامض لا وجود له في الواقع.».

بالنتيجة، نحن حيال شخصية مٌركّبة تجمع بين نسق التفكير الفوضوي والمحافظ في الآن ذاته والنزعة العروبية القومية على النمط «الناصري» من جهة ثانية.. تتقاطع موضوعيا مع دعاة إسقاط الدولة بمفهومها الحداثي.. تستمدّ بريق مشروعيتها المخادع من أستاذ ألمعي في القانون الدستوري، لنكون بالنهاية في حضرة نسخة متطورة من الرئيس الراحل «القذافي» ومخففة من أب التيار الاشتراكي الفوضوي «برودون» ...
حذار... ليس كل ما يلمع ذهبا !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا