المناضلة والكاتبة  المصرية سلوى بكر لـ المغرب": مازال العرب حكومات وشعوبا في مرحلة المراهقة السياسية

لم تكن علاقتها بالحرية تأملا نظريا ولا تنظيرا أكاديميا

بعيدا عن التجربة والحياة. فقد عرفت سلوى بكر تجربة الاعتقال سنة 1989، واختبرت تجربة الأسر في "سجن القناطر" على خلفية إضراب عمال الحديد والصلب. من وراء القضبان وانغلاق الأسوار، انفتحت أمامها أبواب موهبة سردية أهدتها  "العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء". في هذه الرواية جعلت من السجن مرآة لمجتمع أوسع، ونسجت من مصائر النساء سؤالا عن العدالة والكرامة والحق في الحلم.أما في ملحمتها التاريخية "البشموري"، فتحفر عميقا في التاريخ المصري القبطي القديم لتسرد ثورة الفلاحين وانتفاضة الأرض، مزاوجة بين الهوية والتاريخ والجغرافيا ببراعة أدبية حجزت للعمل مكانا ضمن أفضل مائة رواية عربية.

لم تصنع منها  دراسة الكيمياء الصناعية كائنا مخبريا زجاجيا، إنما منحتها الدقة  في التفكيك والتشريح وإعادة التركيب. فجاء حرفها ترياقا ساحرا يجمع بين صرامة العلم وتوهج الخيال . كما انسابت لغتها ساخرة بأناقة  وناقدة بشراسة وشاعرية بعذوبة، هي لغة تستمد نداءها السحري وشجن عزفها من نبض الشارع  وأنين المظلومين وعذابات النساء وحنين المساء.. والأهم أن  سلوى بكر لا تكتب عن المهمشين لتستدرّ الشفقة  إنما لتعيد إليهم إنسانيتهم المسلوبة.

هي الروائية والقاصة والناقدة التي ترجمت أعمالها إلى عشرات اللغات، وتُوّجت بعدد من الجوائز والتكريمات، من أبرزها جائزة دويتشه فيله للأدب سنة 1993، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب، ثم جائزة بريكس الأدبية في دورتها الأولى سنة 2025. 

وُلدت سلوى بكر في القاهرة عام 1949، وتبلغ اليوم نحو 77 عاما. وفي هذا الحوار، نقف عند عتبة عمر طويل من التجارب والروايات والكتابات في محاولة استعادة ذاكرة  امرأة راكمت من الخبرة ما يكفي لتعترف بأنّ العالم أكثر تعقيدا مما يبدو، وأن الكتابة لا تمنحنا أجوبة ولا راحة، بقدر ما تورّطنا في أسئلة جديدة  يمتحنها مخبر الحياة.

*زرت تونس وحاضرت ونشرت فيها الكتب... هل ترين أن المجتمع التونسي سبق تشريعاته أم أن التشريعات سبقت المجتمع؟

حقّقت تونس في مجال حقوق النساء ما لم تحققه بلدان عربية كثيرة، بفضل بورقيبة الذي كان زعيما فارقا في زمنه. فحين تسبق القرارات حركة المجتمع لا بدّ من دفع الثمن، لكنها تفتح على المدى البعيد آفاقا أرحب للتغيير والتحرّر.

*هل تعتقدين أن البحر الذي يفصل تونس عن أوروبا منح الكتّاب التونسيين حساسية مختلفة تجاه أسئلة الهوية والحداثة؟

لا أعتقد أن البحر هو ما يصنع هذه الحساسية، بل العقول الخلّاقة والمبادرة. فالجغرافيا لا تصنع وحدها وعيا مختلفا، إنما القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة هي مفتاح الوصول إلى الإجابات الصائبة.

*إلى أي مدى شكلّت تجربة اعتقالك عام 1989 نظرتك إلى الإنسان والسلطة؟

لم تغيّر تجربة الاعتقال كثيرا من رؤيتي للسلطة، لكنها أكّدت لي أننا  العرب حكومات وشعوبا ما زلنا في مرحلة المراهقة السياسية.. لم ننضج بعد، ولا يزال سلوكنا السياسي أسير الماضي. فالقمع يتجاوز مجرد ممارسة سلطوية ليمثّل آلية متجذّرة في الشخصية السياسية العربية، تغذّيها ذاكرة تاريخية طويلة من القمع الديني.

* وثّقت تجربة السجن في روايتك " العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء"، ومع ذلك ظلّ أدب السجون الرجالي أكثر حضورا من أصوات النساء. هل ما زالت الذاكرة الثقافية العربية تمنح الرجل حقّ تمثيل السجن أكثر مما تمنحه للمرأة؟

ربما كان التفاوت العددي أحد أسباب ذلك، فالرجال الذين يدخلون السجون في العالم العربي أكثر من النساء. لأننا ما زلنا أسرى تصور تقليدي يري بأن الرجل يصنع العالم، فيما تصنع المرأة الحياة. ومع ذلك، لم تغب المرأة عن الكتابة عن السجن. ففي مصر، خاضت النساء هذه التجربة الأدبية منذ وقت مبكر، وتبرز في هذا السياق روز اليوسف وأسماء البقلي...

*طالما قلت إنك منحازة إلى الإنسان قبل الإيديولوجيا. بعد كل التحولات التي شهدها العالم، هل ما زلت تجدين نفسك في اليسار كما عرفته في شبابك، أم تعتقدين اليوم أن اليسار العربي خسر معاركه لأنه هُزم سياسيا ؟

ما زلت أجد نفسي في اليسار، ولكن على طريقتي الخاصة، فاليسار- بالنسبة إليّ- هو انحياز للعدل والحرية، ولكل ما هو جميل ونبيل وسامٍ. وككاتبة، أعتقد أن لي عينا ترى ما قد تعجز عيون الآخرين عن رؤيته، ولذلك أحتفظ بقانوني الخاص وديني الخاص وقيمي التي أصوغها بحرية، بعيدا عن القوالب الجاهزة وأساليب الآخرين في فهم الأشياء والتعامل معها.

*هل خذل اليسار العربي المرأة حين تعامل معها أحيانا كقضية ثانوية أمام ما اعتبره "القضية الكبرى" والتي تتلخص أساسا  في العدالة الاجتماعية؟

ما دام مفهوم المواطنة والحقوق الدستورية غائبا عن النضال، يساريا كان أم غير ذلك، فلن نحقق مكاسب حقيقية للنساء ولا للمجتمع ككل. لقد أخفق اليسار نفسه في التعامل مع قضية المرأة انطلاقا من هذه الرؤية. أتذكر أنني تزوجت ذات مرة رجلا كنا نعود معه إلى البيت بعد يوم عاصف من المظاهرات، فيجلس هو ليدخّن، بينما أتولى أنا غسل الصحون. يومها بدا لي أن الثورة التي نخرج من أجلها إلى الشارع لم تكن قد عبرت عتبة البيت بعد.

* كثيرون يضعون اسمك إلى جانب نوال السعداوي باعتباركما من أبرز الأصوات النسائية العربية التحررية والتنويرية. هل يزعجك هذا التصنيف أم ترين فيه اعترافا بمسار مشترك؟

نوال السعداوي قامة فكرية وأدبية كبيرة، امتلكت شجاعة اقتحام الملفات المسكوت عنها في قضايا النساء. ويشرّفني أن يُذكر اسمي إلى جانب اسمها، لما تمثّله من قيمة فكرية ونضالية استثنائية.

*لو كانت نوال السعداوي حاضرة اليوم، ما القضية التي تعتقدين أنها كانت ستخوض معركتها الأشد حولها؟

أعتقد قضية نساء وأطفال غزة، وما يتعرضون له من مآس. وقضية محاولات جماعة الإخوان المسلمين التراجع عن مكتسبات قانون الأحوال الشخصية في مصر.

*كتبتِ مصر بما هي الحارة والمرأة  والمهمَّش والسجين.. بعد كل التحولات التي عاشتها، هل ترين أنّ واقع المصري تغيّر فعلا، أم بقيت قضاياه الجوهرية معلقة؟

لقد تغيّر الواقع المصري، وإن كان هذا التغيير لا يُلاحظ بالضرورة من الوهلة الأولى. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، مهما توهّم البعض أنه بالإمكان استعادة ما مضى.

*في جل بلدان العالم العربي كثيرا ما  يكون  تأمين لقمة العيش هو الهمّ الأول. فهل تتراجع الحرية إلى مرتبة ثانية، أم أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بكرامة من دون الاثنين؟

لا حرية من دون لقمة العيش. لكن الساعين إلى تأمين قوتهم لا يطلبون البقاء فقط بل ينشدون أيضا حياة تليق بكرامتهم وتمنحهم حقهم في الحرية.

*في روايتك الشهيرة " البشموري" استندت إلى الوثائق والمخطوطات للتأريخ للثورة القبطية، كما منحت صوتا لمن هزمهم التاريخ. هل ترين أن التاريخ الرسمي لا يزال حتى اليوم يكتبه المنتصرون وحدهم؟

لا بدّ من التمييز بين التاريخ والتأريخ. فالتاريخ حصيلة الوقائع والأحداث التي لم يتناول التأريخ منها إلا بعضا، تاركا فراغات كثيرة تسلّلت إليها الأوهام. فاستقرّت في وعينا بوصفها حقائق ومسلمات لا تستوجب التأمل والمراجعة. ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هو: لماذا ما زلنا متأخرين؟ وهو سؤال يستدعي العودة إلى التركة التاريخية التي لا نزال نستند إليها، ونستمدّ منها تصوراتنا عن العالم والذات. فحين يستقرّ الجهل، يتحوّل إلى معرفة زائفة يصعب زحزحتها.

أما التاريخ، فيكتبه اليوم الأفّاقون والكاذبون والذكاء الاصطناعي وكلّ من هبّ ودبّ. وهنا تبرز أهمية الرواية التاريخية، لا باعتبارها إعادة سرد لما حدث فحسب، بل بوصفها محاولة لفحص الروايات المتضاربة ومساءلة الذاكرة  واستنطاق المسكوت عنه، والاستعانة بالتخييل للاقتراب من حقيقة ما كان يمكن أن يكون قد حدث. فالتخييل، حين يستند إلى الوعي والمعرفة لا ينافس الحقيقة بقدر ما يحاول النفاذ إلى المناطق التي عجز التأريخ عن إضاءتها.

*خضت معارك ضد المؤسسات الثقافية الرسمية، لكنك في الوقت نفسه نلت جوائز وتقديرات رُعيت من قبل هذه المؤسسات ذاتها. كيف توفقين بين موقف القطيعة وبين قبول اعترافها بشرعيتك الأدبية؟

لستُ ساذجة حتى أخوض معارك ضد المؤسسات الثقافية. فأنا لا أحبّ معارك طواحين الهواء، وإن كنت أعارض كثيرين ممن يرون في هذه المؤسسات شرا مطلقا. فهي، في نهاية المطاف، تؤدي دورا إيجابيا - لكن مشكلتها أنها تُدار- في أحيان كثيرة، على أيدي موظفين يفتقرون إلى المعرفة والنزاهة والإبداع.

أنا فخورة بحصولي على جائزة من دولتي المصرية، مثلما أعتزّ بجائزة الإذاعة الألمانية، وجائزة محمود درويش التي تقاسمتها مع الهندية أرونداتي روي، وجائزة البريكس العالمية. لكنني لم أحصل على جوائز دول الخليج، تلك الدول التي أرى أن سياساتها - في بعض الحالات- أسهمت في جلب الخراب والدمار إلى الشعوب على غرار ليبيا والسودان ودول أخرى.. في سياقات تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية.

*أنت تكتبين الأدب، لكنك تنظرين أيضا إلى المسرح والسينما بعين الناقدة. أيهما أكثر إغراءً لسلوى بكر: أن تصنع المشهد، أم أن تكشف ما يخفيه المشهد؟

توقفت منذ فترة عن الكتابة النقدية في المسرح والسينما، بعدما بات المجال مفتوحا لكل من هبّ ودبّ، في ظلّ ضيق مساحات التعبير النقدي وغياب الدوريات المتخصصة. ورغم أنني درست المسرح وحصلت على إجازة فيه من القاهرة، فإن عشقي للسينما لم يخفت، وما زلت أحتفظ تجاهها بشغف لا تبدّده المسافة ولا تطفئه الكتابة الغائبة.

*كنت شاهدة على زمن كان فيه العالم العربي يحلم بالتحرر والعدالة  والتغيير... اليوم تبدو المنطقة مثقلة بالحروب والانقسامات والأزمات. برأيك، ماذا خسر العالم العربي: الحلم نفسه أم القدرة على الحلم؟

إنّ العالم العربي ما زال يصارع، وفي ثنايا كل صراع ينام  حلم...

* كتابك المفضل هو "كليلة ودمنة"، فما الذي يجعل "ابن المقفع"، بعد كل هذه القرون، يبدو كأنه يتحدث عن عالمنا اليوم؟

في "كليلة ودمنة" حكمة أظنّ أن العالم بأسره يحتاج إلى استعادتها اليوم، لا العالم العربي وحده مهما تغيّرت الأزمنة والأمكنة.

* كيف تنظرين إلى عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهل يفتح أمام الكتابة آفاقا جديدة، أم يهدّد جوهرها الإنساني؟

عصر الذكاء الاصطناعي هو عصر تضبيب الحقيقة لا انكشافها. فلم تعد الألوان سبعة كما ألفناها، إنما ملايين الظلال التي قد تحجب الحقيقة بدل أن تكشفها. وقد تنقلنا من فضاء النسبي والعقلاني إلى متاهة المطلق الذي يُغيّب العقل ويصادر قدرته على التمييز.

* هل ثمّة حكاية أفلتت منك، وما زلتِ تشعرين أنّها كانت تستحق أن تُكتب؟

التقيتُ في السجن امرأة تم إجبارها على الاعتراف بقتل زوجها، رغم أن القاتل الحقيقي كان شقيقها. اختارت أن تتحمّل جريمة لم ترتكبها في محاولة لوقف مسلسل الثأر داخل عائلتها، إذ كان زوجها ابن عمّها. أمضت ثمانية عشر عاما خلف القضبان، وهي تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها لتكتشف أن الفداء الذي أرادت به حماية عائلتها انتهى بها وحيدة بلا عائلة ولا مأوى. فقد  تنكرت لها أسرتها رغم  تضحيتها الكبرى.

* هل يهب العمر للكتابة نضجا أكبر، أم يجعل الطريق إلى الكلمات أكثر وعورة؟

تزداد الكتابة صعوبة كلما تعمّق الإنسان في تجربة الحياة. إذ يكتشف من يمسك بالقلم أنه رغم ما راكمه من خبرة  لا يعرف إلا القليل عن هذا العالم الغريب. فما بالك بالكون الأكبر والكون الأصغر كما يقول ابن عربي. فالمسألة لا تخص العمر، بقدر ما تتعلق بعمق التجربة واتساع الوعي. وكلما اتّسعت الرؤية، أدرك الكاتب أنّ ما يجهله أكبر مما يعرفه.

*التاريخ يكتبه اليوم الأفّاقون والكاذبون والذكاء الاصطناعي وكل من هب ودب.

*ما زلت أجد نفسي في اليسار، فهو انحياز للعدل والحرية..

*كلما اتّسعت الرؤية، أدرك الكاتب أنّ ما يجهله أكبر مما يعرفه.

*في "كليلة ودمنة" حكمة أظنّ أن العالم بأسره يحتاجها اليوم

*إنّ العالم العربي ما زال يصارع، وفي ثنايا كل صراع ينام حلم...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115