الشركات الأهلية بعد سنوات من التجربة : رهان متواصل على إنجاحها وتسهيلات وامتيازات عديدة .. فماذا حققت؟

جدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال لقائه

الأخير برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، والذي خصص لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، التأكيد على ضرورة تيسير بعث المشاريع وتجنب الضغط الجبائي، واضعا الشركات الأهلية والمبادرات الخاصة ضمن الخيارات التي يفترض أن تحظى بمزيد من التسهيلات، في وقت شدد فيه على كثرة العراقيل الإدارية التي تعترض أصحاب المشاريع وما يواجهونه من مماطلة وتعقيدات في مسار إحداث مشاريعهم.

ويعيد هذا الموقف ملف الشركات الأهلية إلى الواجهة من جديد، بعد أن قطعت الدولة أشواطًا في إرساء إطارها القانوني ومنحها جملة من الامتيازات وآليات التمويل والتسهيلات العقارية، فيما ارتفع عدد الشركات المسجلة وتواصلت عشرات ومئات المبادرات في استكمال إجراءاتها، لكن وبعد كل هذه التسهيلات والرهانات المعلنة، يظل السؤال الأكثر إلحاحا دون إجابة شاملة وواضحة، ماذا حققت هذه الشركات فعليا؟ وكم بلغت مداخيلها؟ وكم منها دخل النشاط الاقتصادي الحقيقي وأصبح قادرا على خلق الثروة ومواطن الشغل بعيدا عن التمويل والامتيازات العمومية؟.

مرحلة جديدة من التقييم تفرض نفسها

منذ إقرار فكرة إحداث الشركات الأهلية، كان أحد أبرز التحديات يتمثل في الانتقال من فكرة المشروع إلى شركة قائمة قانونيا ثم إلى مؤسسة ناشطة اقتصاديا ، وقد تم خلال الفترة الماضية إدخال تعديلات على الإطار القانوني بهدف تبسيط إجراءات التأسيس وتحسين الحوكمة وتسهيل نفاذ هذه الشركات إلى عدد من الامتيازات، واليوم تتجه الدولة إلى مزيد توسيع هذا المشروع خلال السنوات المقبلة، ويبدو أن مرحلة جديدة من التقييم باتت تفرض نفسها، من خلال الانتقال من احتساب عدد الشركات المحدثة والتي دخلت حيز النشاط والملفات الجاري تأسيسها، إلى تقييم ما حققته هذه الشركات فعلا على أرض الواقع .فالأرقام المتعلقة بعدد الشركات تتطور من سنة إلى أخرى، وكذلك النصوص القانونية والامتيازات وخطوط التمويل، غير أن المعطيات المنشورة حول رقم معاملات الشركات الأهلية ومداخيلها وأرباحها الفعلية ومساهمتها الجملية في الاقتصاد الوطني ما تزال محدودة، بما يجعل تقييم نتائج التجربة في حاجة إلى بيانات أكثر وضوحا.

270 شركة مسجلة وأكثر من ألف ملف في طور الاستكمال

وفق آخر المعطيات الموجودة فقد بلغ عدد الشركات الأهلية المسجلة في السجل الوطني للمؤسسات 270 شركة إلى غاية شهر أوت المنقضي، في حين تواصل أكثر من ألف شركة استكمال ملفاتها القانونية عبر المنصة الخاصة بالشركات الأهلية التي تشرف عليها وزارة التشغيل والتكوين المهني، هذه الأرقام تعكس ارتفاعا في نسق الإحداث مقارنة بالسنوات الأولى لانطلاق التجربة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن فجوة بين عدد المبادرات التي تم الإعلان عنها أو الشروع في تأسيسها وبين عدد الشركات التي بلغت مرحلة التسجيل والنشاط الفعلي، وبحسب تصريح رئيس مجلس إدارة أول شركة أهلية في تونس، محمد الطويل لـ"موزاييك أف أم" ، فإن عدد الشركات المسجلة يبقى محدودا مقارنة بإجمالي المؤسسات الاقتصادية في البلاد، كما أن بطء الإجراءات لا يزال يمثل أحد أبرز العراقيل أمام أصحاب هذه الشركات.وبذلك فإن المرحلة الحالية لا تبدو مرتبطة فقط بزيادة عدد الشركات، بل أصبحت مرتبطة أساسا بقدرتها على الانتقال من مرحلة التأسيس والانتظار الإداري إلى مرحلة الإنتاج والتسويق وتحقيق المداخيل والاستمرارية.

فرئيس الجمهورية مازال يراهن على تجربة الشركات الأهلية باعتبارها إحدى الآليات التي ستمكن من إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي والجهويوخلق مواطن الشغل وتشجيع المبادرة الجماعية وخاصة في الجهات التي تعاني من ضعف الاستثمار وارتفاع معدلات البطالة، ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية أوسع تمتد إلى مخطط التنمية للفترة 2026-2030، الذي يضع الاستثمار والمبادرة الخاصة ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية ضمن الأدوات المعتمدة لدفع النشاط الاقتصادي وتحسين التشغيل. وكانت الحكومة قد أكدت في الإعداد للمخطط التنموي على أهمية دعم الاستثمار المنتج وخلق فرص العمل وتقليص البطالة، مع اعتماد مقاربة تقوم على التنمية المحلية والجهوية.

من مئات الشركات إلى 800 ثم 1200 شركة

تم الإعلان في إطار مخطط التنمية عن برمجة إحداث 800 شركة أهلية بمختلف جهات البلاد، إلى جانب دعم المبادرة الخاصة وتوفير خطوط تمويل ومرافقة لأصحاب المشاريع، في المقابل، برزت خلال 2026 تصريحات رسمية تتحدث عن توجه نحو إحداث حوالي 1200 شركة أهلية، وهو رقم يتجاوز الهدف الوارد في بعض وثائق التخطيط للفترة 2026-2030. وتكشف هذه التصريحات عن ارتفاع سقف الطموحات المتعلقة بهذه المنظومة، وعن رغبة في توسيع قاعدة الشركات الأهلية لتصبح إحدى الأدوات الرئيسية في التشغيل والتنمية المحلية، حيث أفاد وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد في تصريح إعلامي على هامش حفل تكريم المتفوقين في مختلف الاختصاصات التكوينية بمناسبة "يوم العلم"، بأن "هناك توجه لإحداث نحو 1200 شركة أهلية"، مؤكدا أن الوزارة تعمل على مزيد دعم هذه الشركات وتوفير التسهيلات اللازمة لها للمساهمة في امتصاص البطالة ودفع التشغيل.

سقف الأهداف يرتفع

لا يبدو أن الدولة بصدد التراجع عن إنجاح رهانها على الشركات الأهلية، بل على العكس فإن الأهداف المعلنة للسنوات المقبلة تكشف عن توجه نحو توسيع هذه التجربة وربطها أكثر بالتنمية المحلية والجهوية والتشغيل، ولكن كلما ارتفع سقف الأهداف ارتفعت معه الحاجة إلى تقييم النتائج، فمنذ صدور المرسوم عدد 15 لسنة 2022 ثم المرسوم عدد 3 لسنة 2025، تم إقرار آليات للتمويل ومنح وامتيازات تتعلق بالانتفاع بالعقارات الفلاحية الدولية والعقارات البلدية والملك الدولي الخاص، فضلا عن تسهيلات مرتبطة ببعض الأنشطة الاقتصادية. وقد أعاد تصريح رئيس الجمهورية الأخير التأكيد على ضرورة تسهيل بعث المشاريع وتجاوز العراقيل التي تعترض أصحاب المبادرات.

تبقى إحدى أكبر نقاط الغموض في هذا الملف إلى اليوم هي غياب معطيات منشورة للعموم حول مداخيل الشركات الأهلية التي دخلت النشاط فعليا، فالمعطيات المتداولة تركز أساسا على عدد الشركات التي انطلقت في النشاط وعدد الملفات في طور الاستكمال والتمويلات المرصودة والامتيازات القانونية والأهداف المستقبلية المتعلقة بعدد الشركات ومواطن الشغل، أما المعطيات التي تتعلق على سبيل الذكر برقم المعاملات والأرباح والخسائر وعدد الشركات التي توقفت عن النشاط وكم موطن شغل دائم أحدثت وقيمة استثماراتها...ما تزال محدودة إن لم نقل غير متوفرة بصورة رسمية ودورية.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115